تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
وَجَسَدِه ، وَالْخِطَابُ لِزَكَرِيَّا ، لِرُوحِه وَبَدَنِه ، وَالرُّوحُ تُوصَفُ بِالْوَفَاة وَالْقَبْضِ وَالْإِمْسَاكِ وَالْإِرْسَالِ ، وَهَذَا شَأْنُ الْمَخْلُوقِ الْمُحْدَثِ . وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ : { مِنْ أَمْرِ رَبِّي } ( 1 ) - فَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا بِالْأَمْرِ الطَّلَبَ ، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ ، وَالْمَصْدَرُ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِإِضَافَتِهَا إليه بقوله : { مِنْ رُوحِي } ( 2 ) - فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمُضَافَ إِلَى اللَّهِ تعالى مِنَ نَوْعَانِ : صِفَاتٌ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا ، كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَة وَالْكَلَامِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ ، فَهَذِهِ إِضَافَة صِفَة إِلَى الْمَوْصُوفِ بِهَا ، فَعِلْمُه وَكَلَامُه وَقُدْرَتُه وَحَيَاتُه صِفَاتٌ لَهُ ، وَكَذَا وَجْهُه وَيَدُه سُبْحَانَهُ . وَالثَّانِي : إِضَافَة أَعْيَانٍ مُنْفَصِلَة عَنْهُ ، كَالْبَيْتِ وَالنَّاقَة وَالْعَبْدِ وَالرَّسُولِ وَالرُّوحِ ، فَهَذِهِ إِضَافَة مَخْلُوقٍ إِلَى خَالِقِه ، لَكِنَّهَا إِضَافَة تَقْتَضِي تَخْصِيصًا وَتَشْرِيفًا ، يَتَمَيَّزُ بِهَا الْمُضَافُ عَنْ غَيْرِهِ . وَاخْتُلِفَ فِي الرُّوحِ : هَلْ هِيَ مَخْلُوقَة قَبْلَ الْجَسَدِ أَمْ بَعْدَهُ ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ ذِكْرِ الْمِيثَاقِ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ . وَاخْتُلِفَ فِي الرُّوحِ : مَا هِيَ ؟ قِيلَ : هِيَ جِسْمٌ ، وَقِيلَ : عَرَضٌ ، وَقِيلَ : لَا نَدْرِي مَا الرُّوحُ ، أَجَوْهَرٌ أَمْ عَرَضٌ ؟ وَقِيلَ : لَيْسَ الرُّوحُ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنَ اعْتِدَالِ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ ، وَقِيلَ : هِيَ الدَّمُ الصَّافِي الْخَالِصُ مِنَ الْكَدَرِة وَالْعُفُونَاتِ ، وَقِيلَ : هِيَ الْحَرَارَة الْغَرِيزِيَّة ، وَهِيَ الْحَيَاة ، وَقِيلَ : هُوَ جَوْهَرٌ بَسِيطٌ مُنْبَعثٌّ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ مِنَ الْحَيَوَانِ ، عَلَى جِهَة الْإِعْمَالِ لَهُ وَالتَّدْبِيرِ ، وَهِيَ عَلَى مَا وُصِفَتْ مِنْ الِانْبِسَاطِ فِي الْعَالَمِ غَيْرُ مُنْقَسِمَة الذَّاتِ وَالْبِنْيَة ، وَأَنَّهَا في كُلِّ حَيَوَانِ
هامش
( 1 ) سورة الْإِسْرَاءِ آية 85 ( 2 ) سورة الْحِجْرِ آية 29
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 386 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء