وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ قَدَّمُوهَا عَلَى نُصُوصِ الْوَحْي ، وَعَزَلُوا لِأَجْلِهَا النُّصُوصَ ، فَأَقْفَرَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ الِاهْتِدَاءِ بِالنُّصُوصِ ، وَلَمْ يَظْفَرُوا بِالْعُقُولِ الصَّحِيحَة الْمُؤَيَّدَة بِالْفِطْرَة السَّلِيمَة وَالنُّصُوصِ النَّبَوِيَّة . وَلَوْ حَكَّمُوا نُصُوصَ الْوَحْي لَفَازُوا بِالْمَعْقُولِ الصَّحِيحِ ، الْمُوَافِقِ لِلْفِطْرَة السَّلِيمَة .
بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ أَرْبَابِ الْبِدَعِ يَعْرِضُ النُّصُوصَ عَلَى بِدْعَتِه ، وَمَا ظَنَّه مَعْقُولًا : فَمَا وَافَقَه قَالَ : إِنَّهُ مُحْكَمٌ ، وَقَبِلَهُ وَاحْتَجَّ بِهِ ! ! وَمَا خَالَفَه قَالَ : إِنَّهُ مُتَشَابِه ، ثُمَّ رَدَّه ، وَسَمَّى رَدَّه تَفْوِيضًا ( 1 ) ! ! أَوْ حَرَّفَه ، وَسَمَّى تَحْرِيفَه تَأْوِيلًا ! ! فَلِذَلِكَ اشْتَدَّ إِنْكَارُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ .
وَطَرِيقُ أَهْلِ السُّنَّةِ : أَنْ لَا يَعْدِلُوا عَنِ النَّصِّ الصَّحِيحِ ، وَلَا يُعَارِضُوه بِمَعْقُولٍ ، وَلَا قَوْلِ فُلَانٍ ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَكَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : سَمِعْتُ الْحُمَيْدِي يَقُولُ : كُنَّا عِنْدَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَأَتَاه رَجُلٌ فَسَأَلَه عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَقَالَ : قَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ رجُلُ لِلشَّافِعِي : مَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ ! فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! تَرَانِي فِي كَنِيسَة ! تَرَانِي فِي بِيعَة ! تَرَى على وَسَطِي زُنَّار ؟ ! أَقُولُ لَكَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْتَ تَقُولُ : مَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ !
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ كَثِيرٌ .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ( 2 ) .
وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا تَلَقَّتْه الْأُمَّة بِالْقَبُولِ ، عَمَلًا بِهِ وَتَصْدِيقًا لَهُ - يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِي عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُمَّة ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَي الْمُتَوَاتِرِ . وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ سَلَفِ الْأُمَّة في
هامش
( 1 ) في المطبوعة « تعويضا » ! وهو تحريف
( 2 ) سورة الْأَحْزَابِ آية 36