تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
عَاصٍ ، وَيُسَمَّى كَافِرًا كُفْرًا مَجَازِيًّا ، أَوْ كُفْرًا أَصْغَرَ . وَإِنْ جَهِلَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهَا ، مَعَ بَذْلِ جُهْدِهِ وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ فِي مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ وأخطأ ، فَهَذَا مُخْطِئٌ ، لَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ . وَأَرَادَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : ( وَلَا نَقُولُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ ) - مُخَالَفَةَ الْمُرْجِئَةِ . وَشُبْهَتُهُمْ كَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْأَوَّلِينَ ، فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَتْلِهِمْ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا مِنْ ذَلِكَ . فَإِنَّ قُدَامَةَ بْنَ عبد الله ( 1 ) شَرِبَ الْخَمْرَ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا هُوَ وَطَائِفَةٌ ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ( 2 ) الْآيَةَ . فَلَمَّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، اتَّفَقَ هُوَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُمْ إِنِ اعْتَرَفُوا بِالتَّحْرِيمِ جُلِدُوا ، وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى اسْتِحْلَالِهَا قُتِلُوا . وَقَالَ عُمَرُ لِقُدَامَةَ : أَخْطَأَتِ اسْتُكَ الْحُفْرَةَ ، أَمَا إِنَّكَ لَوِ اتَّقَيْتَ وَآمَنْتَ وَعَمِلْتَ الصَّالِحَاتِ لَمْ تَشْرَبِ الْخَمْرَ . وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ ، وَكَانَ تَحْرِيمُهَا بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ ، قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ : فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ؟ فَأَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ، بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ مَنْ طَعِمَ الشَّيْءَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَمْ يُحَرَّمْ فِيهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ الْمُصْلِحِينَ ، كَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . ثُمَّ إِنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ [ نَدِمُوا وَعَلِمُوا ] ( 3 ) . أَنَّهُمْ أَخْطَأُوا وَأَيِسُوا مِنَ التَّوْبَةِ . فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى قُدَامَةَ يَقُولُ لَهُ : { حم } { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ } ( 4 ) . ما أدري أي ذنبك أَعْظَمُ ؟ اسْتِحْلَالُكَ الْمُحَرَّمَ أَوَّلًا ؟ أَمْ يَأْسُكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ثَانِيًا ؟ . وَهَذَا الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصحابة هو
هامش
( 1 ) هكذا ورد في الأصل . والصواب : ( قدامة بن مظعون ) ، كما في سير أعلام النبلاء 1 / 161 ، والإصابة 3 / 228 . ن . ( 2 ) سورة المائدة آية 93 . ( 3 ) في الأصل : ( يذقون على ) . ولعل الصواب ما أثبتناه ، كما في إحدى النسخ . ن . ( 4 ) سورة غافر آية 1 - 3 .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 305 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء