عَنِ الْمِلَّةِ . وَكَذَلِكَ يَقُولُ فِي تَسْمِيَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ بِالْإِيمَانِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } ( 1 ) أَيْ صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، إِنَّهَا سُمِّيَتْ إيمانا مجازا ، لتوقف صحتها على الْإِيمَانِ ، أَوْ لِدِلَالَتِهَا عَلَى الْإِيمَانِ ، إِذْ هِيَ دَالَّةٌ عَلَى كَوْنِ مُؤَدِّيهَا مُؤْمِنًا . وَلِهَذَا يُحْكَمُ بإسلام الكافر إذا صلى كصلاتنا . فليس بين فقهاء الملة نِزَاعٌ فِي أَصْحَابِ الذُّنُوبِ ، إِذَا كَانُوا مُقِرِّينَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا تواتر عنه أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ . وَلَكِنَّ الْأَقْوَالَ الْمُنْحَرِفَةَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِتَخْلِيدِهِمْ فِي النَّارِ ، كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ . وَلَكِنَّ أَرْدَأَ مَا فِي ذَلِكَ التَّعَصُّبُ على من يضادهم ، وَإِلْزَامُهُ لِمَنْ يُخَالِفُ قَوْلَهُ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ ، وَالتَّشْنِيعُ عَلَيْهِ ! وَإِذَا كُنَّا مَأْمُورِينَ بِالْعَدْلِ فِي مُجَادَلَةِ الْكَافِرِينَ ، وَأَنْ يُجَادَلُوا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، فَكَيْفَ لَا يَعْدِلُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْخِلَافِ ؟ ! قَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } ( 2 ) الآية .
وَهُنَا أَمْرٌ يَجِبُ أَنْ يُتَفَطَّنَ لَهُ ، وَهُوَ : أَنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْصِيَةً : كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً ، وَيَكُونُ كُفْرًا : إِمَّا مَجَازِيًّا ، وَإِمَّا كُفْرًا أَصْغَرَ ، عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ . وَذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِ الْحَاكِمِ : فَإِنَّهُ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ ، أَوِ اسْتَهَانَ بِهِ مَعَ تَيَقُّنِهِ أَنَّهُ حُكْمُ [ اللَّهِ ] ( 3 ) . - فَهَذَا كَفْرٌ أَكْبَرُ ( 4 ) . وَإِنِ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَعَلِمَهُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ، وَعَدَلَ عَنْهُ مَعَ اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ، فهذا
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية 143 .
( 2 ) سورة المائدة آية 8 .
( 3 ) سقطت من الأصل . والصواب إثباتها ، كما في سائر النسخ . ن .
( 4 ) وهذا مثل ما ابتلي به الذين درسوا القوانين الأوربية ، من رجال الأمم الإسلامية ، ونسائها أيضا ! ! الذين أشربوا في قلوبهم حبها ، والشغف بها ، والذب عنها ، وحكموا بها ، وأذاعوها ، بما ربوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدامين أعداء الإسلام . ومنهم من يصرح ، ومنهم من يتوارى . ويكادون يكونون سواء . فإنا لله وإنا إليه راجعون