بِالْقَدَرِ ، وَالْإِيمَانُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ . وَهَذَا حَقٌّ ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَيْهِ ثَابِتَةٌ مُحْكَمَةٌ قَطْعِيَّةٌ . وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى دَلِيلِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ .
وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَهُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، فَكُلُّ حَرَكَةٍ فِي الْعَالَمِ فَهِيَ نَاشِئَةٌ عَنِ الْمَلَائِكَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا } ( 1 ) ، { فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا } ( 2 ) . وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَتْبَاعِ الرُّسُلِ ، وَأَمَّا الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ الْمُنْكِرُونَ لِلصَّانِعِ فَيَقُولُونَ : هِيَ النُّجُومُ . وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ ، وَأَنَّهَا مُوَكَّلَةٌ بِأَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَكَّلَ بِالْجِبَالِ مَلَائِكَةً ، وَوَكَّلَ بِالسَّحَابِ وَالْمَطَرِ مَلَائِكَةً ، وَوَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَائِكَةً تُدَبِّرُ أَمْرَ النُّطْفَةِ حَتَّى يَتِمَّ خَلْقُهَا ، ثُمَّ وَكَّلَ بِالْعَبْدِ مَلَائِكَةً لِحِفْظِ مَا يَعْمَلُهُ وَإِحْصَائِهِ وَكِتَابَتِهِ ، وَوَكَّلَ بِالْمَوْتِ مَلَائِكَةً ، وَوَكَّلَ بِالسُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ مَلَائِكَةً ، وَوَكَّلَ بِالْأَفْلَاكِ مَلَائِكَةً يُحَرِّكُونَهَا ، وَوَكَّلَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مَلَائِكَةً ، وَوَكَّلَ بِالنَّارِ وَإِيقَادِهَا وَتَعْذِيبِ أَهْلِهَا وَعِمَارَتِهَا مَلَائِكَةً ، وَوَكَّلَ بالجنة وعمارتها وغرسها وَعَمَلِ آلَاتِهَا مَلَائِكَةً ، فَالْمَلَائِكَةُ أَعْظَمُ جُنُودِ اللَّهِ ، وَمِنْهُمُ : الْمُرْسَلَاتُ عُرْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا وَالْفَارِقَاتُ فَرْقًا وَالْمُلْقِيَاتُ ذِكْرًا . وَمِنْهُمُ : النَّازِعَاتُ غَرْقًا ، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ، فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا . وَمِنْهُمُ : الصَّافَّاتُ صَفًّا ، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا .
وَمَعْنَى جَمْعِ التَّأْنِيثِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ : الْفِرَقُ وَالطَّوَائِفُ وَالْجَمَاعَاتُ ، الَّتِي مفردها : " فرقة " و " طائفة " و " جماعة " ، وَمِنْهُمْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ، وَمَلَائِكَةٌ قَدْ وُكِّلُوا بِحَمْلِ الْعَرْشِ ، وَمَلَائِكَةٌ قَدْ وُكِّلُوا بِعِمَارَةِ السَّمَاوَاتِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا الله . وَلَفْظُ " الْمَلَكِ " يُشْعِرُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ مُنَفِّذٌ لِأَمْرِ مُرْسِلِهِ ، فَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ، بَلِ الأمر كله لله الواحد الْقَهَّارِ ، وَهُمْ يُنَفِّذُونَ أَمْرَهُ : { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } ( 3 ) ، { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ( 4 ) ، { وَلَا يَشْفَعُونَ }
هامش
( 1 ) سورة النازعات آية 5 .
( 2 ) سورة الذاريات آية 4 .
( 3 ) سورة الأنبياء آية 27 .
( 4 ) سورة البقرة آية 255 .