تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وَعَلَامَةُ مَرَضِ الْقَلْبِ عُدُولُهُ عَنِ الْأَغْذِيَةِ النَّافِعَةِ الْمُوَافَقَةِ ، إِلَى الْأَغْذِيَةِ الضَّارَّةِ ، وَعُدُولُهُ عَنْ دَوَائِهِ النافع ، إلى دوائه الضار . فها هنا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : غِذَاءٌ نَافِعٌ ، وَدَوَاءٌ شَافٍ ، وَغِذَاءٌ ضَارٌّ ، وَدَوَاءٌ مُهْلِكٌ . فَالْقَلْبُ الصَّحِيحُ يُؤْثِرُ النَّافِعَ الشَّافِيَ ، عَلَى الضَّارِّ الْمُؤْذِي ، وَالْقَلْبُ الْمَرِيضُ بِضِدِّ ذَلِكَ . وَأَنْفَعُ الْأَغْذِيَةِ غِذَاءُ الْإِيمَانِ ، وَأَنْفَعُ الْأَدْوِيَةِ دَوَاءُ الْقُرْآنِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ الْغِذَاءُ وَالدَّوَاءُ ، فَمَنْ طَلَبَ الشِّفَاءَ فِي غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ الْجَاهِلِينَ وَأَضَلِّ الضَّالِّينَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } ( 1 ) . وَقَالَ تَعَالَى : { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا } ( 2 ) ، و " من " فِي قَوْلِهِ : " مِنَ الْقُرْآنِ " لِبَيَانِ الْجِنْسِ ، لَا لِلتَّبْعِيضِ . وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } ( 3 ) . فَالْقُرْآنُ هُوَ الشِّفَاءُ التَّامُّ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْوَاءِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ ، وَأَدْوَاءِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَا كُلُّ أَحَدٍ يُؤَهَّلُ لِلِاسْتِشْفَاءِ بِهِ . وَإِذَا أَحْسَنَ الْعَلِيلُ التَّدَاوِيَ بِهِ ، وَوَضَعَهُ عَلَى دَائِهِ بِصِدْقٍ وَإِيمَانٍ وَقَبُولٍ تَامٍّ وَاعْتِقَادٍ جَازِمٍ وَاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ - لَمْ يُقَاوِمِ الدَّاءُ أَبَدًا . وَكَيْفَ تُقَاوِمُ الْأَدْوَاءُ كَلَامَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ، الَّذِي لَوْ نَزَلَ عَلَى الْجِبَالِ لَصَدَّعَهَا ، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ لَقَطَّعَهَا ؟ ! فَمَا مِنْ مَرَضٍ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ إِلَّا وَفِي الْقُرْآنِ سَبِيلُ الدِّلَالَةِ عَلَى دَوَائِهِ وَسَبَبِهِ وَالْحَمْيَةِ مِنْهُ ، لِمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمًا فِي كتابه .
هامش
( 1 ) سورة فصلت آية 44 . ( 2 ) سورة الإسراء آية 82 . ( 3 ) سورة يونس آية 57 .