تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
فأحبه ، فيحبه جبرائيل ، ثم ينادي جبرائيل فِي السَّمَاءِ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ » ، وَقَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ . فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِنْ أَنْ يَتَّقِيَ : إِمَّا الْمَخْلُوقَ ، وَإِمَّا الْخَالِقَ . وَتَقْوَى الْمَخْلُوقِ ضَرَرُهَا رَاجِحٌ عَلَى نَفْعِهَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، وَتَقْوَى اللَّهِ هِيَ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَهْلٌ للتقوى ، وهو أيضا أهل المغفرة ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ، لَا يَقْدِرُ مَخْلُوقٌ عَلَى أَنْ يَغْفِرَ الذُّنُوبَ وَيُجِيرَ مِنْ عَذَابِهَا غَيْرَهُ ، وَهُوَ الَّذِي يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ . قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : مَا احْتَاجَ تَقِيٌّ قَطُّ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } ( 1 ) ، فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مَخْرَجًا مِمَّا يَضِيقُ عَلَى النَّاسِ ، وَأَنْ يَرْزُقَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي التَّقْوَى خَلَلًا ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلْيَتُبْ إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } ( 2 ) ، أي فهو كافيه ، لا محوجه إِلَى غَيْرِهِ . وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ التَّوَكُّلَ يُنَافِي الِاكْتِسَابَ وَتَعَاطِيَ الْأَسْبَابِ ، وَأَنَّ الْأُمُورَ إِذَا كَانَتْ مُقَدَّرَةً فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْأَسْبَابِ ! وَهَذَا فَاسِدٌ ، فَإِنَّ الِاكْتِسَابَ : مِنْهُ فَرْضٌ ، وَمِنْهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَمِنْهُ مُبَاحٌ ، وَمِنْهُ مَكْرُوهٌ ، وَمِنْهُ حَرَامٌ ، كَمَا قَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ الْمُتَوَكِّلِينَ ، يَلْبَسُ لَأْمَةَ الْحَرْبِ ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لِلِاكْتِسَابِ ، حَتَّى قَالَ الْكَافِرُونَ : { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } ( 3 ) . وَلِهَذَا تَجِدُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَرَى الِاكْتِسَابَ يُنَافِي التَّوَكُّلَ يُرْزَقُونَ عَلَى يَدِ مَنْ يُعْطِيهِمْ ، إِمَّا صَدَقَةً ، وَإِمَّا هَدِيَّةً ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ مَكَّاسٍ ، أَوْ وَالِي شُرْطَةٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ ، لَا يَسَعُهُ هَذَا الْمُخْتَصَرُ . وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ التي في
هامش
( 1 ) سورة الطلاق الآيتان 2 ، 3 . ( 2 ) سورة الطلاق الآية 3 . ( 3 ) سورة الفرقان آية 7 .