ألف سنة ، [ قال ] : وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ » ( 1 ) .
فَهَذَا صَرِيحٌ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَقَعَ بَعْدَ خَلْقِ الْعَرْشِ ، وَالتَّقْدِيرَ وَقَعَ عِنْدَ أَوَّلِ خَلْقِ الْقَلَمِ ، بِحَدِيثِ عُبَادَةَ هَذَا . وَلَا يَخْلُو قَوْلُهُ « أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ » ، إِلَخْ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً أَوْ جُمْلَتَيْنِ . فَإِنْ كَانَ جُمْلَةً ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، كَانَ مَعْنَاهُ : أَنَّهُ عِنْدَ أَوَّلِ خَلْقِهِ قَالَ لَهُ : " اكْتُبْ " . كَمَا فِي اللَّفْظِ : « أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ قَالَ لَهُ : اكْتُبْ » بِنَصْبِ " أَوَّلَ " وَ " الْقَلَمَ " . وَإِنْ كَانَ جُمْلَتَيْنِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ بِرَفْعِ " أَوَّلُ " وَ " الْقَلَمُ " ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ ، فَيَتَّفِقُ الْحَدِيثَانِ ، إِذْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعَرْشَ سَابِقٌ عَلَى التَّقْدِيرِ ، وَالتَّقْدِيرُ مُقَارِنٌ لِخَلْقِ الْقَلَمِ . وَفِي اللَّفْظِ الْآخَرِ : « لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ قَالَ لَهُ : اكْتُبْ » .
فَهَذَا الْقَلَمُ أَوَّلُ الْأَقْلَامِ وَأَفْضَلُهَا وَأَجَلُّهَا . وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ : إِنَّهُ الْقَلَمُ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } ( 2 ) .
وَالْقَلَمُ الثَّانِي : قَلَمُ الْوَحْيِ : وَهُوَ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ وَحْيُ اللَّهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ ، وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَلَمِ هُمُ الْحُكَّامُ عَلَى الْعَالَمِ . وَالْأَقْلَامُ كُلُّهَا خَدَمٌ لِأَقْلَامِهِمْ . وَقَدْ رُفِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى مُسْتَوًى يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ ، فَهَذِهِ الْأَقْلَامُ هِيَ الَّتِي تَكْتُبُ مَا يُوحِيهِ اللَّهُ تبارك وتعالى من الأمور التي يدبرها ، أَمْرَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ .
قَوْلُهُ : ( فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَائِنٌ ، لِيَجْعَلُوهُ غَيْرَ كَائِنٍ - لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ . وَلَوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ، لِيَجْعَلُوهُ كَائِنًا - لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ . جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) .
ش : تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : « جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كأنا خلقنا
هامش
( 1 ) صحيح مسلم 2 / 300 وصححناه من هناك .
( 2 ) سورة القلم آية 1 .