وَإِشْهَادِهِمْ جَمِيعًا ذَلِكَ الْوَقْتَ ، فَهَذَا لَا يَذْكُرُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ .
السَّابِعُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : { أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ } ( 1 ) ، فَذَكَرَ حِكْمَتَيْنِ فِي هَذَا الْإِشْهَادِ ؛ لِئَلَّا يَدَّعُوا الْغَفْلَةَ ، أَوْ يَدَّعُوا التَّقْلِيدَ ، فَالْغَافِلُ لَا شُعُورَ لَهُ ، وَالْمُقَلِّدُ مُتَّبِعٌ فِي تَقْلِيدِهِ لِغَيْرِهِ . وَلَا تَتَرَتَّبُ هَاتَانِ الْحِكْمَتَانِ إِلَّا عَلَى مَا قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ مِنَ الرُّسُلِ وَالْفِطْرَةِ .
الثَّامِنُ : قَوْلُهُ : { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } ( 2 ) ، أَيْ لَوْ عَذَّبَهُمْ بِجُحُودِهِمْ وَشِرْكِهِمْ لَقَالُوا ذَلِكَ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يُهْلِكُهُمْ بِمُخَالَفَةِ رُسُلِهِ وَتَكْذِيبِهِمْ ، وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ، وَإِنَّمَا يُهْلِكُهُمْ بَعْدَ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ .
التَّاسِعُ : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَشْهَدَ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ رَبُّهُ وَخَالِقُهُ ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِهَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ ، كَقَوْلِهِ : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ( 3 ) ، فَهَذِهِ هِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَضْمُونِهَا ، وَذَكَّرَتْهُمْ بِهَا رُسُلُهُ ، بِقَوْلِهِمْ : { أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ( 4 ) .
الْعَاشِرُ : أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا آيَةً ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيِّنَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِمَدْلُولِهَا [ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا الْمَدْلُولُ ] وَهَذَا شَأْنُ آيَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى ، [ فَإِنَّهَا أَدِلَّةٌ مُعِينَةٌ عَلَى مَطْلُوبٍ مُعَيَّنٍ مُسْتَلْزَمِةٌ لِلْعِلْمِ بِهِ ] فَقَالَ تَعَالَى : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 5 ) ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِالْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، فَمَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، لَا يُولَدُ مَوْلُودٌ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْفِطْرَةِ ، هَذَا أَمْرٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ ، لَا يَتَبَدَّلُ وَلَا يَتَغَيَّرُ . وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ تَفَطَّنَ لِهَذَا ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ ، وَلَكِنْ هَابُوا مُخَالَفَةَ ظَاهِرِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ
هامش
( 1 ) سورة الأعراف آية 173 .
( 2 ) سورة الأعراف آية 173 .
( 3 ) سورة لُقْمَانَ آية 25 .
( 4 ) سورة إِبْرَاهِيمَ آية 10 .
( 5 ) سورة الْأَعْرَافِ آية 174 .