{ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } ( 1 ) ، وَقَالَ لِيَعْقُوبَ بَنُوهُ : { نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } ( 2 ) ، وَإِنْ كَانَ الْآبَاءُ مُخَالِفِينَ الرُّسُلَ ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ الرُّسُلَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا } الْآيَةَ ( 3 ) .
فَمَنِ اتَّبَعَ دِينَ آبَائِهِ بِغَيْرِ بَصِيرَةٍ وَعِلْمٍ ، بَلْ يَعْدِلُ عَنِ الْحَقِّ الْمَعْلُومِ إِلَيْهِ ، فَهَذَا اتَّبَعَ هَوَاهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } ( 4 ) .
وَهَذِهِ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الَّذِينَ وُلِدُوا عَلَى الْإِسْلَامِ ، يَتْبَعُ أَحَدُهُمْ أَبَاهُ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنِ اعْتِقَادٍ وَمَذْهَبٍ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً لَيْسَ هُوَ فِيهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ، بَلْ هُوَ مِنْ مُسْلِمَةِ الدَّارِ ، لَا مُسْلِمَةِ الِاخْتِيَارِ ، وَهَذَا إِذَا قِيلَ لَهُ فِي قَبْرِهِ : مَنْ رَبُّكَ ؟ قَالَ ؟ هَاهْ هَاهْ ، لَا أَدْرِي ، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ .
فَلْيَتَأَمَّلِ اللَّبِيبُ هَذَا الْمَحِلَّ ، وَلْيَنْصَحْ نَفْسَهُ ، وَلْيَقُمْ مَعَهُ ، وَلْيَنْظُرْ مِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ هُوَ ؟ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ ، فَإِنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، فَإِنَّهُ مَرْكُوزٌ فِي الْفِطَرِ . وَأَقْرَبُ مَا يَنْظُرُ فِيهِ الْمَرْءُ أَمْرُ نَفْسِهِ لَمَّا كَانَ نُطْفَةً ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ، وَالتَّرَائِبُ ( 5 ) : عِظَامُ الصَّدْرِ ، ثُمَّ صَارَتْ تِلْكَ النُّطْفَةُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ، فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ، وَانْقَطَعَ عَنْهَا تَدْبِيرُ الْأَبَوَيْنِ وَسَائِرِ الْخَلَائِقِ ، وَلَوْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً عَلَى لَوْحٍ أَوْ طَبَقٍ ، وَاجْتَمَعَ حُكَمَاءُ الْعَالَمِ عَلَى أَنْ يُصَوِّرُوا مِنْهَا شَيْئًا لَمْ يَقْدِرُوا . وَمُحَالٌ تَوَهُّمُ عَمَلِ الطَّبَائِعِ فِيهَا ، لِأَنَّهَا مَوَاتٌ عَاجِزَةٌ ، وَلَا تُوصَفُ بِحَيَاةٍ ، وَلَنْ يَتَأَتَّى مِنَ الْمَوَاتِ فِعْلٌ وَتَدْبِيرٌ ، فَإِذَا تَفَكَّرَ فِي ذَلِكَ
هامش
( 1 ) سورة يُوسُفَ آية 38 .
( 2 ) سورة الْبَقَرَةِ آية 133 .
( 3 ) سورة الْعَنْكَبُوتِ آية 8 .
( 4 ) سورة الْبَقَرَةِ آية 170
( 5 ) الزيادة لم تذكر في المطبوعة . وهي ضرورية لصحة الكلام .