وَابنِ عُمَرَ ( 1 ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَمِنْ ثَمَّ قَالَ قَائِلُونَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ : إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْإِشْهَادِ إِنَّمَا هُوَ فِطْرَتُهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ ، كَمَا تَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ شَهِدْنَا : أَيْ قَالُوا : بَلَى شَهِدْنَا أَنَّكَ رَبُّنَا . وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا : أَشْهَدَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ . وَقِيلَ : شَهِدْنَا مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ ، وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ بَلَى . وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَقَالَ السُّدِّيُّ أَيْضًا : هُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ وَمَلَائِكَتِهِ أَنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِ بَنِي آدَمَ . وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَمَا عَدَاهُ احْتِمَالٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُ ظَاهِرُ
الْآيَةِ لِلْأَوَّلِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ سِوَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ أَعَادَهُمْ ، كَالثَّعْلَبِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا . وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَصَبَ لَهُمُ الْأَدِلَّةَ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَشَهِدَتْ بِهَا عُقُولُهُمْ وَبَصَائِرُهُمُ الَّتِي رَكَبَّهَا اللَّهُ فِيهِمْ ، كَالزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ ، كَالْوَاحِدِيِّ وَالرَّازِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، لَكِنْ نَسَبَ الرَّازِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالثَّانِيَ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَعْنِي أَنَّ الْأَخْذَ كَانَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّ الْأَخْذَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَخْذَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ وَالْإِشْهَادَ عَلَيْهِمْ هُنَاكَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ ، وَفِي بَعْضِهَا الْأَخْذُ وَالْقَضَاءُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَبَعْضَهُمْ إِلَى النَّارِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَفِي بَعْضِهَا الْأَخْذُ وَإِرَاءَةُ آدَمَ إِيَّاهُمْ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا إِشْهَادٍ ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَالَّذِي فِيهِ الْإِشْهَادُ - عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قَالَهَا أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ - مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصَّحِيحِ
هامش
( 1 ) في الأصل : « عمر » . وبعد الرجوع إلى المصادر اتضح أنه تحريف ، حيث لم نجد لعمر رضي الله عنه حديثًا في الإشهاد . وبمثل ذلك ورد في بعض النسخ . ن .