{ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ( 1 ) أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوا نَبِيَّهُ وَيَرْضَوْا بِحُكْمِهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .
قَوْلُهُ : ( فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ ، وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ ، مُوَسْوِسًا تَائِهًا ، شَاكًّا ، لَا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا ، وَلَا جَاحِدًا مُكَذِّبًا ) .
ش : يَتَذَبْذَبُ : يَضْطَرِبُ وَيَتَرَدَّدُ . وَهَذِهِ الْحَالَةُ الَّتِي وَصَفَهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ حَالُ كُلِّ مَنْ عَدَلَ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى عِلْمِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَتَأَوَّلُ النَّصَّ وَيَرُدُّهُ إِلَى الرَّأْيِ وَالْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ ، فَيَئُولُ أَمْرُهُ إِلَى الْحَيْرَةِ وَالضَّلَالِ وَالشَّكِّ ، كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَذَاهِبِ الْفَلَاسِفَةِ وَمَقَالَاتِهِمْ ، فِي كِتَابِهِ " تَهَافُتِ التَّهَافُتِ " : " وَمَنِ الَّذِي قَالَ فِي الْإِلَهِيَّاتِ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ ؟ " . وَكَذَلِكَ الْآمِدِيُّ ، أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَاقِفٌ فِي الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ حَائِرٌ . وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، انْتَهَى آخِرُ أَمْرِهِ إِلَى الْوَقْفِ وَالْحَيْرَةِ فِي الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الطُّرُقِ وَأَقْبَلَ عَلَى أَحَادِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَاتَ وَالْبُخَارِيُّ عَلَى صَدْرِهِ . وَكَذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ ، قَالَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي [ أَقْسَامِ ] اللَّذَّاتِ ( 2 )
نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ . . . وَغَايَةُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا . . . وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذَى وَوَبَالُ
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا . . . سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ : قِيلَ وَقَالُوا
هامش
( 1 ) سورة النِّسَاءِ آية 65 .
( 2 ) في المطبوعة « اللذات " فقط . ولم أجد اسم هذا الكتاب إلا في هامش كتاب « مختصر الصواعق المرسلة » لابن القيم ، طبعة السلفية بمكة المكرمة سنة 1348 ج 1 ص 10 ، وقد ذكرت الثلاثة الأبيات الأولى هناك . والأبيات الخمسة مذكورة في ترجمة الفخر الرازي من كتاب طبقات الشافعية لابن السبكي 5 : 40 . ومنها بيتان في ترجمته عند الحافظ ابن كثير في تاريخه 13 : 56 .