وَتَحَقَّقَ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى حَقَائِقِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَسْدُودٌ . وَلَعَمْرِي لَا يَنْفَكُّ الْكَلَامُ عَنْ كَشْفٍ وَتَعْرِيفٍ وَإِيضَاحٍ لِبَعْضِ الْأُمُورِ ، وَلَكِنْ عَلَى النُّدُورِ . انْتَهَى مَا نَقَلْتُهُ عَنِ الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَكَلَامُ مِثْلِهِ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ ، وَالسَّلَفُ لَمْ يَكْرَهُوهُ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ اصْطِلَاحًا جَدِيدًا عَلَى مَعَانٍ صَحِيحَةٍ ، كَالْاصْطِلَاحِ عَلَى أَلْفَاظٍ لِعُلُومٍ صَحِيحَةٍ ، وَلَا كَرِهُوا أَيْضًا الدَّلَالَةَ عَلَى الْحَقِّ وَالْمُحَاجَّةِ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ ، بَلْ كَرِهُوهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أُمُورٍ كَاذِبَةٍ مُخَالِفَةٍ لِلْحَقِّ . وَمِنْ ذَلِكَ : مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا فِيهِ مِنْ عُلُومٍ صَحِيحَةٍ ، فَقَدَ وَعَّرُوا الطَّرِيقَ إِلَى تَحْصِيلِهَا ، وَأَطَالُوا الْكَلَامَ فِي إِثْبَاتِهَا مَعَ قِلَّةِ نَفْعِهَا ، فَهِيَ لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ ، لَا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى ، وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَى ( 1 ) وَأَحْسَنُ مَا عِنْدَهُمْ فَهُوَ فِي الْقُرْآنِ أَصَحُّ تَقْرِيرًا ، وَأَحْسَنُ تَفْسِيرًا ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ إِلَّا التَّكَلُّفُ وَالتَّطْوِيلُ وَالتَّعْقِيدُ . كَمَا قِيلَ :
لَوْلَا التَّنَافُسُ فِي الدُّنْيَا لَمَا وُضِعَتْ . . . كُتْبُ التَّنَاظُرِ لَا الْمُغْنِي وَلَا الْعَمَدُ
يُحَلِّلُونَ بِزَعْمٍ مِنْهُمُ عُقَدًا . . . وَبِالَّذِي وَضَعُوهُ زَادَتِ الْعُقَدُ
فَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ بِالَّذِي وَضَعُوهُ الشُّبَهَ وَالشُّكُوكَ ، وَالْفَاضِلُ [ الذَّكِيُّ ] ( 2 ) الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ الشُّبَهَ وَالشُّكُوكَ زَادَتْ بِذَلِكَ .
وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ لَا يَحْصُلَ الشِّفَاءُ وَالْهُدَى وَالْعِلْمُ وَالْيَقِينُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ ، وَيَحْصُلَ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَيِّرِينَ . بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَجْعَلَ مَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ هُوَ الْأَصْلُ ، وَيَتَدَبَّرَ مَعْنَاهُ وَيَعْقِلَهُ ، وَيَعْرِفَ بُرْهَانَهُ وَدَلِيلَهُ إِمَّا الْعَقْلِيُّ وَإِمَّا الْخَبَرِيُّ السَّمْعِيُّ ، وَيَعْرِفَ دَلَالَتَهُ عَلَى هَذَا وَهَذَا ، وَيَجْعَلَ أَقْوَالَ النَّاسِ الَّتِي تُوَافِقُهُ وَتُخَالِفُهُ مُتَشَابِهَةً مُجْمَلَةً ، فَيُقَالُ لِأَصْحَابِهَا : هَذِهِ الْأَلْفَاظُ تَحْتَمِلُ كَذَا
هامش
( 1 ) في المطبوعة « فَيُنْتَقَلُ » . وهو خطأ مطبعي واضح .
( 2 ) في الأصل : ( الذي ) والصواب ما أثبتناه ، كما في إحدى النسخ . ن .