تَأَمَّلَ الْإِنْسَانُ هَذَا الْقَوْلَ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُهُ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ السَّلَفِ . وَالْحَقُّ : أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْقُرْآنَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ حَقِيقَةً ، وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَنَاهَى ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ إِذَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ ، وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ . قَالَ تَعَالَى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } ( 1 ) . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ( 2 ) .
وَلَوْ كَانَ مَا فِي الْمُصْحَفِ عِبَارَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ ، لَمَا حَرُمَ عَلَى الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ مَسُّهُ ، وَلَوْ كَانَ مَا يَقْرَؤُهُ الْقَارِئُ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ لَمَا حَرُمَ عَلَى الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ قِرَاءَتُهُ ( 3 ) .
بَلْ كَلَامُ اللَّهِ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ ، مَقْرُوءٌ بِالْأَلْسُنِ ، مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ ، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ . وَهُوَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا حَقِيقَةٌ ، وَإِذَا قِيلَ : فِيهِ خَطُّ فُلَانٍ وَكِتَابَتُهُ : فُهِمَ مِنْهُ مَعْنًى صَحِيحٌ حَقِيقِيٌّ ، وَإِذَا قِيلَ : فِيهِ مِدَادٌ قَدْ كُتِبَ بِهِ : فُهِمَ مِنْهُ مَعْنًى صَحِيحٌ حَقِيقِيٌّ ، وَإِذَا قِيلَ : الْمِدَادُ فِي الْمُصْحَفِ : كَانَتِ الظَّرْفِيَّةُ فِيهِ غَيْرَ الظَّرْفِيَّةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : فِيهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَفِيهِ مُحَمَّدٌ وَعِيسَى ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ مُغَايِرَانِ لِمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : فِيهِ خَطُّ فُلَانٍ الْكَاتِبِ ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ مُغَايِرَةٌ لِمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : فِيهِ كَلَامُ اللَّهِ . وَمَنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِلْفُرُوقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي ضَلَّ وَلَمْ يَهْتَدِ لِلصَّوَابِ . وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ الَّتِي هِيَ فِعْلُ الْقَارِئِ ، وَالْمَقْرُوءِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْبَارِي ، مَنْ لَمْ يَهْتَدِ لَهُ فَهُوَ ضَالٌّ أَيْضًا ، وَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا وَجَدَ فِي وَرَقَةٍ مَكْتُوبًا :
هامش
( 1 ) سورة الْكَهْفِ آية 109 .
( 2 ) سورة لُقْمَانَ آية 27 .
( 3 ) في المطبوعة ( مسه ) ، وهو خطأ واضح يأباه السياق . وقد سبق الكلام على ( مسه ) في الجملة قبلها .