تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
مَزْبُورِ الْأَوَّلِينَ ، فَفِي نَفْسِ اللَّفْظِ وَاشْتِقَاقِهِ مَا يُبَيِّنُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ ، وَيُبَيِّنُ كَمَالَ بَيَانِ الْقُرْآنِ وَخُلُوصِهِ مِنَ اللَّبْسِ . وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ : { الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ } ( 1 ) ، أَيْ : ذِكْرَهُ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ . { فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ } ( 2 ) وَ { لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } ( 3 ) وَ { كِتَابٍ مَكْنُونٍ } ( 4 ) ، لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الظَّرْفِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْعَامَّةِ ، مِثْلَ الْكَوْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالْحُصُولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، أَوْ يُقَدَّرُ : مَكْتُوبٌ فِي كِتَابٍ ، أَوْ فِي رَقٍّ . وَالْكِتَابُ : تَارَةً يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ مَحَلُّ الْكِتَابَةِ ، وَتَارَةً يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْكَلَامُ الْمَكْتُوبُ . وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كِتَابَةِ الْكَلَامِ فِي الْكِتَابِ ، وَكِتَابَةِ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ فِيهِ - فَإِنَّ تِلْكَ إِنَّمَا يُكْتَبُ ذِكْرُهَا . وَكُلَّمَا تَدَبَّرَ الْإِنْسَانُ هَذَا الْمَعْنَى وَضَحَ لَهُ الْفَرْقُ . وَحَقِيقَةُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْخَارِجِيَّةُ : هِيَ مَا يُسْمَعُ مِنْهُ أَوْ مِنَ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ ، فَإِذَا سَمِعَهُ السَّامِعُ عَلِمَهُ وَحَفِظَهُ . فَكَلَامُ اللَّهِ مَسْمُوعٌ لَهُ مَعْلُومٌ مَحْفُوظٌ ، فَإِذَا قَالَهُ السَّامِعُ فَهُوَ مَقْرُوءٌ لَهُ مَتْلُوٌّ ، فَإِنْ كَتَبَهُ فَهُوَ مَكْتُوبٌ لَهُ مَرْسُومٌ . وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ . وَالْمَجَازُ يَصِحُّ نَفْيُهُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : لَيْسَ فِي الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ ، وَلَا : مَا قَرَأَ الْقَارِئُ كَلَامَ اللَّهِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } ( 5 ) . وَهُوَ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا يَسْمَعُهُ مِنْ مُبَلِّغِهِ عَنِ اللَّهِ . وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : أَنَّ الْمَسْمُوعَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ وَلَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } ( 6 ) ، وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى يَسْمَعَ مَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ . وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَكْتُوبَ فِي الْمَصَاحِفِ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ ، أَوْ حِكَايَةُ كَلَامِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ فِيهَا كَلَامُ اللَّهِ : فَقَدْ خَالَفَ
هامش
( 1 ) سورة الْأَعْرَافِ آية 156 . ( 2 ) سورة الطُّورِ آية 3 . ( 3 ) سورة الْبُرُوجِ آية 22 . ( 4 ) سورة الْوَاقِعَةِ آية 78 . ( 5 ) سورة التَّوْبَةِ آية 6 . ( 6 ) سورة التَّوْبَةِ آية 6
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 143 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء