وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ - مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اعْتِقَادَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ لَمْ يَتَلَقَّوْهُ لَا عَنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا عَنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، وَإِنَّمَا يَزْعُمُونَ أَنَّ عَقْلَهُمْ دَلَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ تَلَقَّوْا مِنَ الْأَئِمَّةِ الشَّرَائِعَ .
وَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ عَلَى فِطَرِهِمُ السَّلِيمَةِ وَعُقُولِهِمُ الْمُسْتَقِيمَةِ ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ نِزَاعٌ ، وَلَكِنْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ إِلَى بَعْضِ النَّاسِ أُغْلُوطَةً مِنْ أَغَالِيطِهِ ، فَرَّقَ بِهَا بَيْنَهُمْ . { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } ( 1 ) .
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الطَّحَاوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ ، وَأَنَّ نَوْعَ كَلَامِهِ قَدِيمٌ . وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَالْقُرْآنُ فِي الْمَصَاحِفِ مَكْتُوبٌ ، وَفِي الْقُلُوبِ مَحْفُوظٌ ، وَعَلَى الْأَلْسُنِ مَقْرُوءٌ ، وَعَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَزَّلٌ ، وَلَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ ] وَكِتَابَتُهُ لَنَا مَخْلُوقَةٌ ، وَقِرَاءَتُنَا لَهُ مَخْلُوقَةٌ [ وَالْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ ] حِكَايَةً [ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْ فِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ - فَإِنَّ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ إِخْبَارًا عَنْهُمْ ، وَكَلَامُ مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ مَخْلُوقٌ ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُهُمْ ، وَسَمِعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمَّا كَلَّمَ مُوسَى كَلَّمَهُ بِكَلَامِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ لَمْ يَزَلْ ، وَصِفَاتُهُ كُلُّهَا خِلَافُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ، يَعْلَمُ لَا كَعِلْمِنَا ، وَيَقْدِرُ لَا كَقُدْرَتِنَا ، وَيَرَى لَا كَرُؤْيَتِنَا ، وَيَتَكَلَّمُ لَا كَكَلَامِنَا . انْتَهَى . فَقَوْلُهُ : وَلَمَّا كَلَّمَ ( 2 ) مُوسَى كَلَّمَهُ بِكَلَامِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ - يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ حِينَ جَاءَ كَلَّمَهُ ، لَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ أَزَلًا وَأَبَدًا يَقُولُ يَا مُوسَى ، كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } ( 3 ) ، فَفُهِمَ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالنَّفْسِ
هامش
( 1 ) سورة الْبَقَرَةِ آية 176
( 2 ) في المطبوعة ( ولما كان ) ، وهو خطأ .
( 3 ) سورة الْأَعْرَافِ آية 143 .