غَيْرَهُ ، فَإِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا : يَعْلَمُ لَا كَعِلْمِنَا ، قُلْنَا : وَيَتَكَلَّمُ لَا كَتَكَلُّمِنَا ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصِّفَاتِ .
وَهَلْ يُعْقَلُ قَادِرٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْقُدْرَةُ ، أَوْ حَيٌّ لَا تَقُومُ بِهِ الْحَيَاةُ ؟ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ » ( 1 ) ، فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاذَ بِمَخْلُوقٍ ؟ بَلْ هَذَا كَقَوْلِهِ : « أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ . وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ » ، وَكَقَوْلِهِ : « أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ » . وَكَقَوْلِهِ : « وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا » . كُلُّ هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَهَذِهِ الْمَعَانِي مَبْسُوطَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا ، وَإِنَّمَا أُشِيرُ إِلَيْهَا هُنَا إِشَارَةً .
وَكَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ ، وَالتَّعَدُّدُ وَالتَّكَثُّرُ وَالتَّجَزُّؤُ وَالتَّبَعُّضُ حَاصِلٌ فِي الدَّلَالَاتِ ، لَا فِي الْمَدْلُولِ . وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ مَخْلُوقَةٌ ، وَسُمِّيَتْ كَلَامَ اللَّهِ لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهِ وَتَأَدِّيهِ بِهَا ، فَإِنْ عُبِّرَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ قُرْآنٌ ، وَإِنْ عُبِّرَ بِالْعِبْرِيَّةِ فَهُوَ تَوْرَاةٌ ، فَاخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ لَا الْكَلَامُ . قَالُوا : وَتُسَمَّى هَذِهِ الْعِبَارَاتُ كَلَامَ اللَّهِ مَجَازًا !
وَهَذَا الْكَلَامُ فَاسِدٌ ، فَإِنَّ لَازِمَهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا } ( 2 ) ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } ( 3 ) وَمَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِي هُوَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ ! وَمَعْنَى سُورَةِ الْإِخْلَاصِ هُوَ مَعْنَى { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } ( 4 ) . وَكُلَّمَا
هامش
( 1 ) جاءت في الاستعاذة ، في حديث مرسل ، رواه مالك في الموطأ : 950 - 951 ، عن يحيى بن سعيد مرسلًا . وذكر السيوطي في شرحه 3 : 126 أنه « وصله النسائي ، من طريق محمد بن جعفر بن يحيى ابن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عياش السلمي عن ابن مسعود " وأنه وصله البيهقي في الأسماء والصفات . ومراده برواية النسائي أنه في عمل اليوم والليلة ، لا في السنن . ووجدته من وجه آخر في مسند الإمام أحمد : 15526 ، 15527 ( ج 3 ص 419 من طبعة الحلبي ) ، من حديث عبد الرحمن بن خنبش . ورواه من حديثه أيضًا : ابن السني في عمل اليوم والليلة ، رقم : 631 . وذكره الحافظ في الإصابة 4 : 157 ، في ترجمة عبد الرحمن بن خنبش ) .
( 2 ) سورة الْإِسْرَاءِ آية 32 .
( 3 ) سورة الْبَقَرَةِ آية 43 .
( 4 ) سورة الْمَسَدِ آية 1 .