بَشَرٌ ، فَمَنْ جَعَلَهُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ أَنْشَأَهُ - فَقَدْ كَفَرَ . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : أَنَّهُ قَوْلُ بَشَرٍ ، أَوْ جِنِّيٍّ ، أَوْ مَلَكٍ ، وَالْكَلَامُ كَلَامُ مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا ، لَا مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا . وَمَنْ سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ :
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمُنْزِلِ . . .
- قَالَ : هَذَا شِعْرُ امْرِئِ الْقَيْسِ ، وَمَنْ سَمِعَهُ يَقُولُ : « إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرئٍ مَا نَوَى » : قَالَ : هَذَا كَلَامُ الرَّسُولِ ، وَإِنْ سَمِعَهُ يَقُولُ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ( 1 ) : قَالَ : هَذَا كَلَامُ اللَّهِ ، إِنْ كَانَ عِنْدَهُ خَبَرُ ذَلِكَ ، وَإِلَّا قَالَ : لَا أَدْرِي كَلَامُ مَنْ هَذَا ؟ وَلَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ذَلِكَ لَكَذَّبَهُ . وَلِهَذَا مَنْ سَمِعَ مِنْ غَيْرِهِ نَظْمًا أَوْ نَثْرًا ، يَقُولُ لَهُ : هَذَا كَلَامُ مَنْ ؟ هَذَا كَلَامُكَ أَوْ كَلَامُ غَيْرِكَ ؟
وَبِالْجُمْلَةِ ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ كُلُّهُمْ ، مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ . وَلَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ تَنَازَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ هَلْ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالذَّاتِ ، أَوْ أَنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ وَمَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَأَنَّ نَوْعَ الْكَلَامِ قَدِيمٌ .
وَقَدْ يُطْلِقُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى الْقُرْآنِ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَلَقٍ مُفْتَرًى مَكْذُوبٌ ، بَلْ هُوَ حَقُّ وَصِدْقٌ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ .
وَالنِّزَاعُ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي كَوْنِهِ مَخْلُوقًا خَلَقَهُ اللَّهُ ، أَوْ هُوَ كَلَامُهُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وَقَامَ بِذَاتِهِ ؟ وَأَهْلُ السُّنَّةِ إِنَّمَا سُئِلُوا عَنْ هَذَا ، وَإِلَّا فَكَوْنُهُ مَكْذُوبًا مُفْتَرًى مِمَّا لَا يُنَازِعُ مُسْلِمٌ فِي بُطْلَانِهِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ مَشَايِخَ الْمُعْتَزِلَةِ
هامش
( 1 ) سورة الفاتحة الآيات 2 - 3 - 4 - 5 .