تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
الْحَمِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ وَهَوَى النَّفْسِ كَانَ مَذْمُومًا ، بَلْ نَفْسُ الْجِهَادِ إِذَا قَاتَلَ الرَّجُلُ حَمِيَّةً وَعَصَبِيَّةً كَانَ مَذْمُومًا ، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْفَخْرَ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ } ( 1 ) . وَقَالَ تَعَالَى : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } ( 2 ) فَعُلِمَ أَنَّ الْمَذْمُومَ إِنَّمَا هُوَ التَّفْضِيلُ عَلَى وَجْهِ الْفَخْرِ ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الِانْتِقَاصِ بِالْمَفْضُولِ . وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ أَيْضًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ » ، إِنْ كَانَ ثَابِتًا ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ رُوِيَ فِي نَفْسِ حَدِيثِ مُوسَى ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ . لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ : إَنَّ فِيهِ عِلَّةً ، بِخِلَافِ حَدِيثِ مُوسَى ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ لَا عِلَّةَ فِيهِ بِاتِّفَاقِهِمْ . وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجَوَابٍ آخَرَ ، وَهُوَ : أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى » ، وَقَوْلَهُ : « لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ » نَهْيٌ عَنِ التَّفْضِيلِ الْخَاصِّ ، أَيْ : لَا يُفَضَّلُ بَعْضُ الرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ بِعَيْنِهِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : « أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ » فَإِنَّهُ تَفْضِيلٌ عَامٌّ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ . وَهَذَا كَمَا لَوْ قِيلَ : فُلَانٌ أَفْضَلُ أَهْلِ الْبَلَدِ ، لَا يَصْعُبُ عَلَى أَفْرَادِهِمْ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ لِأَحَدِهِمْ : فُلَانٌ أَفْضَلُ مِنْكَ . ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُ الطَّحَاوِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ أَجَابَ بِهَذَا الْجَوَابِ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ . وَأَمَّا مَا يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى » ، وَأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ قَالَ : لَا يُفَسِّرُ لَهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى يُعْطَى مَالًا جَزِيلًا ، فَلَمَّا أَعْطَوْهُ فَسَّرَهُ بِأَنَّ قُرْبَ يُونُسَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ كَقُرْبِي مِنَ اللَّهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَعَدُّوا هَذَا تَفْسِيرًا عَظِيمًا . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِمْ بِكَلَامِ اللَّهِ وَبِكَلَامِ رَسُولِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا
هامش
( 1 ) سورة الْإِسْرَاءِ آية 55 . ( 2 ) سورة الْبَقَرَةِ آية 253 .