تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وَلَا مُدَبِّرَ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مُدَبِّرٌ قَدِيرٌ حَكِيمٌ ، لَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ وَلَقَابَلَهُ أَعْظَمَ مُقَابَلَةٍ ، وَجَعَلَهُ نَكَالًا لِلصَّالِحِينَ . إِذْ لَا يَلِيقُ بِالْمُلُوكِ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ بِمَلِكِ الْمُلُوكِ وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ؟ وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَفَعَ لَهُ ذِكْرَهُ ، وَأَظْهَرَ دَعْوَتَهُ وَالشَّهَادَةَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْكَذَّابِينَ قَامَ فِي الْوُجُودِ ، وَظَهَرَتْ لَهُ شَوْكَةٌ ، وَلَكِنْ لَمْ يَتِمَّ أَمْرُهُ ، وَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ ، بَلْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ وَأَتْبَاعَهُمْ ، وَقَطَعُوا دَابِرَهُ وَاسْتَأْصَلُوهُ . هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ، حَتَّى إِنَّ الْكُفَّارَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ . قَالَ تَعَالَى : { أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ } { قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ } ( 1 ) أَفَلَا تَرَاهُ يُخْبِرُ أَنَّ كَمَالَهُ وَحِكْمَتَهُ وَقُدْرَتَهُ تَأْبَى أَنْ يُقِرَّ مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ، لَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبَادِهِ كَمَا جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ فِي الْمُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ . وَقَالَ تَعَالَى : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ } ( 2 ) وَهُنَا انْتَهَى جَوَابُ الشَّرْطِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ خَبَرًا جَازِمًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ : أَنَّهُ يَمْحُو الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ } ( 3 ) فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ نَفَى عَنْهُ الْإِرْسَالَ وَالْكَلَامَ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ . وَقَدْ ذَكَرُوا فُرُوقًا بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ ، وَأَحْسَنُهَا . أَنَّ مَنْ نَبَّأَهُ اللَّهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ ، إِنْ أَمَرَهُ أَنْ يُبَلِّغَ غَيْرَهُ ، فَهُوَ نَبِيٌّ رَسُولٌ ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُبَلِّغَ غَيْرَهُ ، فَهُوَ نَبِيٌّ وَلَيْسَ بِرَسُولٍ . فَالرَّسُولُ أَخَصُّ مِنَ النَّبِيِّ ، فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ ، وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسُولًا ، وَلَكِنَّ الرِّسَالَةَ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهَا ، فَالنُّبُوَّةُ جُزْءٌ مِنَ الرِّسَالَةِ ، إِذِ الرِّسَالَةُ تَتَنَاوَلُ النُّبُوَّةَ وَغَيْرَهَا ، بِخِلَافِ الرُّسُلِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ الْأَنْبِيَاءَ وَغَيْرَهُمْ ، بَلِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ . فَالرِّسَالَةُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهَا ، وَأَخَصُّ مِنْ جِهَةِ أَهْلِهَا .
هامش
( 1 ) سُورَةُ الطُّورِ الآيتان 30 - 31 . ( 2 ) سورة الشُّورَى آية 24 . ( 3 ) سورة الْأَنْعَامِ آية 91 .