فَأُمُورٌ مُجْتَمِعَةٌ ، لَا يَحْصُلُ بِبَعْضِهَا ، لَكِنْ بِبَعْضِهَا قَدْ يَحْصُلُ بَعْضُ الْأَمْرِ . ( 1 )
وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِخَبَرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ ، فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُحَصِّلُ لِلْقَلْبِ نَوْعَ ظَنٍّ ، ثُمَّ الْآخَرُ يُقَوِّيهِ ، إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْعِلْمِ ، حَتَّى يَتَزَايَدَ وَيَقْوَى . وَكَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ عَلَى الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَأَيْضًا : فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْقَى فِي الْعَالَمِ الْآثَارَ الدَّالَّةَ عَلَى مَا فَعَلَهُ بِأَنْبِيَائِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكَرَامَةِ ، وَمَا فَعَلَهُ بِمُكَذِّبِيهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ ، كَثُبُوتِ الطُّوفَانِ ، وَإِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ ، وَلَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا بَعْدَ نَبِيٍّ ، فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ ، كَقِصَّةِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُ ، يَقُولُ فِي آخِرِ كُلِّ قِصَّةٍ : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } ( 2 )
وَبِالْجُمْلَةِ : فَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَّ أَقْوَامًا اتَّبَعُوهُمْ ، وَأَنَّ أَقْوَامًا خَالَفُوهُمْ ، وَأَنَّ اللَّهَ نَصَرَ الرُّسُلَ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ ، وَعَاقَبَ أَعْدَاءَهُمْ : هُوَ مِنْ أَظْهَرِ الْعُلُومِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَأَجْلَاهَا . وَنَقْلُ أَخْبَارِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مِنْ نَقْلِ أَخْبَارِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ مِنَ مُلُوكِ الْفُرْسِ وَعُلَمَاءِ الطِّبِّ ، كَبُقْرَاطَ وَجَالِينُوسَ وَبَطْلَيْمُوسَ وَسُقْرَاطَ وَأَفْلَاطُونَ وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ .
وَنَحْنُ الْيَوْمَ إِذَا عَلِمْنَا بِالتَّوَاتُرِ مِنْ أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَوْلِيَائِهِمْ وَأَعْدَائِهِمْ - عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّهُمْ كَانُوا صَادِقِينَ عَلَى الْحَقِّ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ : مِنْهَا : أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا الْأُمَمَ بِمَا سَيَكُونُ مِنِ انْتِصَارِهِمْ وَخِذْلَانِ أُولَئِكَ وَبَقَاءِ الْعَاقِبَةِ لَهُمْ . وَمِنْهَا : مَا أَحْدَثَهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ نَصْرِهِمْ وَإِهْلَاكِ عَدُوِّهِمْ ، إِذَا عُرِفَ الْوَجْهُ الَّذِي حَصَلَ عَلَيْهِ ، - كَغَرَقِ فِرْعَوْنَ وَغَرَقِ قَوْمِ نُوحٍ وَبَقِيَّةِ أَحْوَالِهِمْ - عُرِفَ صِدْقُ الرُّسُلِ .
هامش
( 1 ) كذلك جاءت هذه الفقرة في المطبوعة ! ولم نستطع تصحيحها .
( 2 ) سُورَةُ الشُّعَرَاءِ الآيتان 121 - 122 .