وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الشَّرَائِعِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِهَا ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ الْخَلْقِ ، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ كَذَّابٍ جَاهِلٍ ، وَأَنَّ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْهُدَى وَالْخَيْرِ وَدَلَالَةِ الْخَلْقِ عَلَى مَا يَنْفَعُهُمْ وَمَنْعِ مَا يَضُرُّهُمْ - مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَاحِمٍ بَرٍّ يَقْصِدُ غَايَةَ الْخَيْرِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلْخَلْقِ .
وَلِذِكْرِ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ ، وَقَدْ أَفْرَدَهَا النَّاسُ بِمُصَنَّفَاتٍ ، كَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ .
بَلْ إِنْكَارُ رِسَالَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعْنٌ فِي الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَنِسْبَتُهُ لَهُ إِلَى الظُّلْمِ وَالسَّفَهِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، بَلْ جَحْدٌ لِلرَّبِّ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْكَارٌ .
وَبَيَانُ ذَلِكَ : أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ صَادِقٍ ، بَلْ مَلِكٌ ظَالِمٌ ، فَقَدْ تَهَيَّأَ لَهُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ وَيَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ ، وَيَسْتَمِرَّ حَتَّى يُحَلِّلَ وَيُحَرِّمَ ، وَيَفْرِضَ الْفَرَائِضَ ، وَيُشَرِّعَ الشَّرَائِعَ ، وَيَنْسَخَ الْمِلَلَ ، وَيَضْرِبَ الرِّقَابَ ، وَيَقْتُلَ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ وَهُمْ أَهْلُ الْحَقِّ ، وَيَسْبِيَ نِسَاءَهُمْ وَيَغْنَمَ أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ ، وَيَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَفْتَحَ الْأَرْضَ ، وَيَنْسِبَ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ لَهُ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يُشَاهِدُهُ وَهُوَ يَفْعَلُ بِأَهْلِ الْحَقِّ ، وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ فِي الِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُؤَيِّدُهُ وَيَنْصُرُهُ ، وَيُعْلِي أَمْرَهُ ، وَيُمَكِّنُ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ الْخَارِجَةِ عَنْ عَادَةِ الْبَشَرِ ، وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُجِيبُ دَعَوَاتِهِ ، وَيُهْلِكُ أَعْدَاءَهُ ، وَيَرْفَعُ لَهُ ذِكْرَهُ ، هَذَا وَهُوَ عِنْدَهُمْ فِي غَايَةِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالظُّلْمِ ، فَإِنَّهُ لَا أَظْلَمَ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَأَبْطَلَ شَرَائِعَ أَنْبِيَائِهِ وَبَدَّلَهَا وَقَتَلَ أَوْلِيَاءَهُ ، وَاسْتَمَرَّتْ نُصْرَتُهُ عَلَيْهِمْ دَائِمًا ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، وَلَا يَقْطَعُ مِنْهُ الْوَتِينَ . فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا : لَا صَانِعَ لِلْعَالَمِ
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 116
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص١١٦