تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
الشيءَ الظاهر ، وينقِم الأمر البيّن ، كفعل بعضهم في قوله : لأنْت أسودُ في عيني من الظُلَمِ فإنه أنكر أسود من الظُلم ، ولم يعلم أنه قد يحتمل هذا الكلام وجوهاً يصح عليها ، وأن الرجل لم يرد أفعل التي للمبالغة . كإنكار آخر قوله : فالغيث أبخل مَنْ سعى فزعم أن من لا تكون إلا لما يعقل ، وأفعل لا يجري إلا على البعض من تلك الجملة ، تقول : زيد أفضل من الناس ؛ فلا بد أن يكون زيدٌ من الناس ، ولو قلت : أفضل الحمير لم يصحّ . وكذلك لو قلت : أفضل ما يقضم الشّعير ويرْعى الكلأ لم يجُزْ . قال فمَنْ سَعى لا يقع إلا على عاقل ، والغيث ليس من هذه الجملة ، وهذا الاعتراض يدلّ على تقصير شديد في العلم بكلام العرب ؛ لأن العرب إذا وصفت الشيءَ بصفة غيره استعارت له ألفاظه ، وأجرته في العبارة مجراه ، وإن كان لو انفرد انفرد عنه بصفته ، وتميّز دونه بعبارته ؛ فمن ذلك قول الله تعالى : ( والشمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجِدين ) لمّا وصفهما بالسجود جمعهما بالياء والنون ، ولا يُجمع بهما إلا جنس مَن يعقل ، أما خرَج على بابه لعللٍ مذكورة في مواضعها ، لكنه لما أجرى على الكواكب صفة من يعقل ألحقها في العبارة بهم . وكذلك قوله حاكياً عن السماوات والأرض : ( قالَتا أتيْنا طائِعين ) لما حكى عنهما النطق والقول والطاعة والائتمار أجرى الكلام على ذلك فقال : فقضاهنّ ، وعلى هذا قوله عز وجل ( وكلٌ في فلَكٍ يسبحون ) وهو كثير . وفي الشعر ؛ فإذا جعل الغيث بخيلاً أو جواداً ، ووجد العرب قد أجازت وتكلمت به جاز له إلحاقه بالبخلاء والأجواد في استعمال العبارة ،