تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩

الإفراط في الاستعارة

وقد كانت الشعراء تجري على نهْج منها قريب من الاقتصاد ، حتى استرسل فيه أبو تمام ومال إلى الرّخصة ، فأخرجه إلى التعدي ، وتبعه أكثر المدَثين بعده ، فوقفوا عند مراتبهم من الإحسان والإساءة ، والتقصير والإصابة . وأكثرُ هذا الصنف من الباب الذي قدمت لك القول فيه ، وأقمت لك الشواهد عليه ، وأعلمتك أنه يميَّز بقبول النفس ونفورها ، وينتقد بسكون القلب ونبوّه . وربما تمكنت الحجج من إظهار بعضه ، واهتدتْ إلى الكشْف عن صوابه أو غلطه ، وقد كان بعض أصحابنا يجاريني أبياتاً أبعد أبو الطيب فيها الاستعارة ، وخرج عن حد الاستعمال والعادة ؛ فكان مما عدد منها قوله : مسرّةٌ في قُلوب الطّيبِ مفرِقُها . . . وحسرةٌ في قلوبِ البَيض واليلَبِ وقوله : تجمعتْ في فؤادِه همَمٌ . . . ملء فؤاد الزمان إحداها فقال : جعل للطيب والبيض واليلَب قلوباً وللزمان فؤاداً . وهذه استعارة لم تجر على شبه قريب ولا بعيد ؛ وإنما تصح الاستعارة وتحسن على وجه من المناسبة ، وطرف من الشبه والمقاربة . فقلت له هذا ابن أحمر يقول : ولهت عليه كل مُعصفة . . . هوجاء ليس للبّها زبْر فما الفصل بين من جعل للريح لُبّاً ، ومن جعل للطيب والبيض قلباً ! وهذا أبو رميلة يقول : هم ساعدُ الدهر الذي يتقي به . . . وما خير كف لا تنوء بساعدِ
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 429 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي محمد البجاوي / علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني