تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢

مواقع الكلام

وهذا أمر تُستخبر به النفوس المهذّبة ، وتستشهد عليه الأذهان المثقفة ؛ وإنما الكلام أصوات محلها من الأسماع محلّ النواظر من الأبصار . وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحُسن ، وتستوفي أوصاف الكمال ، وتذهب في الأنفُس كل مذهب ، وتقف من التّمام بكل طريق ، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن ، والتئام الخِلقة ، وتناصُفِ الأجزاء ، وتقابل الأقسام ؛ وهي أحظى بالحلاوة ، وأدنى إلى القبول ، وأعلَقُ بالنّفس ، وأسرع ممازجة للقلب ؛ ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت ، ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً ، ولما خُصّت به مُقتَضِياً . ولو قيل لك : كيف صارت هذه الصورة ، وهي مقصورة عن الأولى في الإحكام والصنعة ، وفي التّرتيب والصيغة ، وفيما يجمع أوصاف الكمال ، وينتظمُ أسباب الاختيار أحلى وأرشق وأحظى وأوقع ؟ لأقمت السائل مقام المتعنّت المتجانِف ، ورددته ردّ المستبهم الجاهل ! ولكان أقصى ما في وسعك ، وغاية ما عندك أن تقول : موقعُه في القلب ألطف ، وهو بالطّبع أليق ؛ ولم تعْدم مع هذه الحال معارضاً يقول لك : فما عبتَ من هذه الأخرى ؟ وأي وجهٍ عدَل بك عنها ؟ ألم يجتمع لها كيت وكيت ! ! وتتكاملُ فيها ذيه وذيه ! ! وهل للطاعن إليها طريق ! وهل فيها لغامز مغمز يحاجُّك بظاهر تحسّه النواظر ! وأنت تحيله على باطن تحصِّله الضمائر ! كذلك الكلام : منثوره ومنظومه ، ومجمَلُه ومفصّله ؛ تجد منه المُحكَم الوثيق والجزل القوي ، والمصنّع المُحكم ، والمنمّق الموشّح ؛ قد هُذِّب كل التّذيب ، وثُقِّف غاية التّثقيف ، وجهِد فيه الفِكْر ، وأتعب لأجله الخاطر ، حتى احتمى ببراءته عن المعائِب ، واحتجر بصحّته عن المطاعن ، ثم تجد لفؤادِك عنه