تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
ثم انقضت تلك السنون وأهلها . . . فكأنها وكأنهم أحْلامُ كيف يتصور فيه ذلك الكلام الغثّ ! وأعجب من ذلك شاعر يرى هذه الغُرَر في ديوانه كيف يرضى أن يقرن إليها تلك الغُرَر ! وما عليه لو حذف نصف شعره ، فقطع ألسنَ العيب عنه ، ولم يشْرَعْ للعدوّ باباً في ذمّه ! ومن جنايات هذا الاختيار على أبي تمام وأتباعِه أن أحدَهُم بينا هو مسترسِل في طريقته ، وجارٍ على عادته يختلِجه الطّبع الحَضري ، فيعدل به متسهلاً ، ويرمي بالبيت الخَنث ، فإذا أُنشد في خِلال القصيدة ، وُجِد قلقاً بينها نافراً عنها ؛ وإذا أُضيف إلى ما وراءه وأمامه تضاعفت سُهولته ، فصارت رَكاكة . وربما افتتح الكلمة وهو يجري مع طبْعه ، فينظم أحسن عِقْد ، ويختال في مثل الروضة الأنيقة ، حتى تعارضه تلك العادةُ السيئة فيتسنّم أوْعرَ طريق ، ويتعسّف أخشن مرْكب ، فيطمس تلك المحاسن ، ويمحو طُلاوة ما قد قدّم ؛ كما فعل أبو تمام في كثير من شعره ؛ ومنه قوله : لو حار مرتادُ المنية لم يجد . . . إلا الفراقَ على النفوس دليلا قالوا الرحيل ؛ فما شككت بأنها . . . نفسي من الدنيا تريدُ رَحيلا الصبر أجملُ غير أنّ تلذذاً . . . في الحب أحرى أن يكون جَميلا أتظنني أجد السّبيل إلى العَزا . . . وجد الحِمام إذاً إليّ سبيلا ردّ الجَموحِ الصّعبِ أسهلُ مُطلبا . . . ؤمن ردّ دمْعٍ قد أصابَ مَسيلا ذكرتكُم الأنواء ذِكْرى بعضكم . . . فبكت عليكم بُكْرةً وأصيلا إني تأملت النوى فوجدتها . . . سيفاً على أهل الهوَى مسلولا
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 22 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي محمد البجاوي / علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني