تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
الرّسم ، وانتسخت هذه السنة ، واحتذَوا بشعرهم هذا المثال ، وترقّقوا ما أمكن ، وكسَوا معانيَهم ألطفَ ما سنح من الألفاظ ، فصارت إذا قيسَت بذلك الكلام الأول يتبيّن فيها اللين ، فيُظَنّ ضعفاً ، فإذ أُفرِد عاد ذلك اللّين صفاءً ورونقاً ، وصار ما تخيلته ضعفاً رشاقة ولُطفاً ؛ فإن رام أحدُهم الإغراب والاقتداءَ بمَن مضى من القدماء لم يتمكن من بعض ما يرومه إلا بأشدّ تكلّف ، وأتم تضنع ؛ ومع التكلف المقْت ، وللنفس عن التصنّع نُفْرة ، وفي مفارقة الطبع قلةُ الحلاوة وذهاب الرونق ، وإخلاقُ الديباجة . وربما كان ذلك سبباً لطَمْس المحاسن ؛ كالذي نجده كثيراً في شعر أبي تمام ، فإنه حاول من بين المحدَثين الاقتداءَ بالأوائل في كثير من ألفاظه ، فحصل منه على توعير اللفظ ، فقبح في غير موضع من شعره ، فقال : فكأنّما هي في السّماع جنادِلٌ . . . وكأنّما هي في القلوب كَواكبُ فتعسّف ما أمكن ، وتغلغل في التصعّب كيف قدر ، ثم لم يرضَ بذلك حتى أضاف إليه طلَب البديع ، فتحمّله من كل وجْه ، وتوصّل إليه بكل سبب ، ولم يرض بهاتين الخَلتين حتى اجتلب المعاني الغامضة ، وقصد الأغراض الخفيّة ، فاحتمل فيها كل غثٍّ ثقيل ، وأرْصد لها الأفكار بكل سبيل ؛ فصار هذا الجنسُ من شعره إذا قرع السمعَ لم يصل إلى القلب إلا بعد إتعاب الفِكْر ، وكدّ الخاطر ، والحَمْل على القريحة ؛ فإن ظفر به فذلك من بعد العناء والمشقة ، وحين حسَره الإعياء ، وأوْهن قوّتَه الكَلال . وتلك حالٌ لا تهَشّ فيها النفس للاستماع بحسَن ، أو الالتذاذُ بمُستظرف ؛ وهذه جريرةُ التكلف ! ولست أقول هذا غضّاً من أبي تمام ، ولا تهْجيناً لشعره ، ولا عصبيّة عليه لغيره . فكيف وأنا أدينُ بتفضيله وتقديمه ، وأنتحلُ موالاتَه وتعظيمه ، وأراه قِبْلة