تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
الحفظ أفقر ؛ فإذا استكشفْت عن هذه الحالة وحدت سببها والعلة فيها أن المطبوع الذكي لا يمكنه تناولُ ألفاظ العرب ، إلا رِواية ؛ ولا طريقَ للرواية إلا السمع ؛ وملاكُ الرواية الحفظ ، وقد كانت العرب تروي وتحفظ ، ويُعرف بعضها برواية شعرِ بعض ؛ كما قيل : إن زهيراً كان راوية أوْس ، وإن الحُطيْئَة راوية زهير ، وإن أبا ذؤيب راوية ساعدة بن جؤيّة ؛ فبلغ هؤلاء في الشعر حيثُ تراهم ، وكان عبيد راوية الأعشى ولم تُسمَع له كلمة تامة ، كما لم يسمع لحسين راوية جرير ، ومحمد بن سهل راوية الكميت ، والسائب راوية كثيّر ؛ غير أنها كانت بالطبع أشدّ ثقة وإليه أكثر استئناساً ؛ وأنت تعلم أن العرب مشتركة في اللغة واللسان ، وأنها سواء في المنطق والعبارة ، وإنما تَفضُل القبيلةُ أختها بشيء من الفصاحة . ثم تجد الرجل منها شاعراً مُفْلقاً ، وابنَ عمه وجار جَنابه ولصيقَ طُنُبه بكيئاً مفحَماً ؛ وتجد فيها الشاعرَ أشعرَ من الشاعر ، والخطيبَ أبلغَ من الخطيب ؛ فهل ذلك إلا من جهة الطبع والذكاء وحدّة القريحة والفِطنة ! وهذه أمور عامة في جنس البشر لا تخصيص لها بالأعْصار ، ولا يتّصف بها دهر دون دهر . فإن قلت : فما بالُ المتقدمين خُصّوا بمتانة الكلام وجزالة المنطق وفخامة الشعر ، حتى إن أعْلَمَنا باللغة وأكثرَنا رِواية للغريب لو حفظ كلّ ما ضمّت الدواوينُ المرويّة ، والكتبُ المصنفة من شعر فحْل ، وخبر فصيح ، ولفظ رائع - ونحن نعلم أن معظم هذه اللغة مضبوط مرويّ ، وجلّ الغريب محفوظ منقول - ثم أعانه الله بأصحّ طبع وأثقب ذهن وأنفذ قريحة ، ثم حاول أن يقول قصيدة ، أو يقرضَ بيتاً يُقارب شعر امرئ القيس وزهير ، في فخامته وقوة أسْره ، وصلابة معجَمه لوجده أبعد من العيّوق مُتناولاً ، وأصعبَ من الكبريت الأحمر مطلباً ؟ قلت : أحلتُك
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 16 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي محمد البجاوي / علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني