تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣

السرقات الشعرية

قد أنصفناك في الاستيفاءلك ، والتبليغ عنك ، ولسنا نُنكِر كثيراً مما قلتَه ، ولا نردّ اليسير مما ادّعيته ، غير أن لخصمك حُجَجاً تُقابل حُجَجك ، ومقالاً لا يقصّر عن مقالك . وزعم خصمُك أنك وأصحابك وكثيراً منكم لا يعرف من السَّرَق إلا اسمَه ، فإن تجاوزه حصل على ظاهره ، ووقف عند أوائله ؛ فإن استُثبتَ فيه ، وكُشِف عنه ، وُجد عارياً من معرفة واضحهِ ، فضلاً عن غامضه ، وبعيداً من جليه ، قبل الوصول إلى مُشكله ؛ وهذا باب لا ينهض به إلا الناقد البصير ، والعالم المبرِّز . وليس كل من تعرّض له أدركه استوفاه واستكمله . ولستَ تعدّ من جهابذة الكلام ، ونُقّاد الشعر ، حتى تميّز بين أصنافه وأقسامِه ، وتحيط علماً برُتَبه ومنازله ، فتفصل بين السرق والغصْب ، وبين الإغارة والاختلاس ، وتعرف الإلمام من الملاحظة ، وتفرِق بين المشترك الذي لا يجوز ادّعاء السّرَق فيه ، والمبتذل الذي ليس أحدٌ أولى به ، وبين المختصّ الذي حازه المبتدئ فملكه ، وأحياه السابق فاقتطعه ، فصار المعتدي مُختلساً سارقاً ، والمشارِك له محتذياً تابعاً ، وتعرف اللفظ الذي يجوز أن يقال فيه : أُخذ ونقل ، والكلمة التي يصح أن يقال فيها : هي لفلان دون فلان . فمتى نظرت فرأيت أن تشبيه الحسَن بالشمس والبدر ، والجواد بالغيث والبحر ، والبليد البطيء بالحجر والحمار ، والشجاع الماضي بالسيف والنار ، والصبّ المستهام بالمخبول في حيرته ، والسليم في سَهره ، والسقيم في أنينه وتألّمه ، أمور متقررة في النفوس ، متصورة في العقول ، يشتركُ فيها الناطق والأبكم ، والفصيح والأعجم ،
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 183 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي محمد البجاوي / علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني