ثم أكد ما ذكره من سعده ، وإظهار الله له على قصده ، فقال ، مخاطباً له : إذا كان ما تنويه فعلاً مستقبلاً ، ولفظ المستقبل يشترك ما بين الدائم الذي لم ينقطع ، والمتأخر الذي لم يقع ، صار ذلك الفعل ماضياً بوقوعه منك ، ومتصرفاً بتمكنه لك ، قبل أن تلحقه الجوازم ، فتثبته فيما لم يجب ، وتدخل عليه فتخلصه لما لم يقع . وأشار بهذا إلى أن ما ينويه فالله ييسره له ، وما يريده فالأيام لا تمطله به .
وَكَيْفَ تُرَجَّي الرُّومُ والرُّوسُ هَدْمَها . . . وَذَا الطَّعنُ أَسَاسُ لَها وَدَعَائُم
ثم يقول له : وكيف ترجي الروم والروس هدم هذه المدينة ، وقد أسستها على الطعن الذي أعلمته فيهم ، ودعمتها بالقتل الذي سلطته عليهم ، فكيف يرومون هدمها ، وهذه صورة بنيتها ، وكيف يحاولون إخلاءها ، وهذه حقيقة منعتها .
وَقَدْ حَاكَمُوها وَالمَنايا حَوَاكِمُ . . . فَمَا مَاتَ مَظْلُومُ ولا عَاشَ ظَالمُ
ثم قال : وقد حاكموها ظالمين ، بما تعرضوا له من الحرب ، وحاولوها متعدين ، بما تكلفوه من الجمع ، فما عاشوا مع ما حاولوه من الظلم لها ، ولا مات ذكر هذه المدينة مع ما أرادوه من الخراب بها ، بل نصر الله فيها سيف الدولة ، فهزم جيوشهم ، وأظهره عليهم ، ففرق جموعهم .
شرح معاني شعر المتنبي ( السفر الأول ) — صفحة 250
مساهمون: ابراهيم بن محمد الإِفلِيلي
ص٢٥٠