تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ أَنْ يُرَدَّ إِلَى اللَّهِ ، وَذَلِكَ رَدُّهُ إِلَى كِتَابِهِ ، وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ رَدُّهُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ حَيًّا ، وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . إِلَّا أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَلْ هُمْ دَاخِلُونَ تحت قوله تعالى : { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } ( 1 ) أَمْ لَا ؟ وَالْجَوَابُ : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ مُقْتَضَاهَا أَهْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ أَنَّ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِينَ مُبَايِنُونَ لِأَهْلِ الرَّحْمَةِ لِقَوْلِهِ : { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ / إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } ( 2 ) فإنها اقتضت قسمين : أهل الاختلاف ومرحومين ، فَظَاهِرُ التَّقْسِيمِ أَنَّ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لَيْسُوا مَنْ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ ، وَإِلَّا كَانَ قَسْمُ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ قال فيها : { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ وَصْفَ الِاخْتِلَافِ لَازِمٌ لَهُمْ حَتَّى أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُشْعِرِ بالثبوت ، وأهل الرحمة مبرؤون مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ / وَصْفَ الرَّحْمَةِ يُنَافِي الثُّبُوتَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ ، بَلْ إِنْ خَالَفَ أَحَدُهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ / فَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِيهَا تَحَرِّيًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِيهَا ، حَتَّى إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهَا رَاجَعَ نَفْسَهُ وَتَلَافَى أَمْرَهُ ، فَخِلَافُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْعَرْضِ لَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ ، فَلَمْ يَكُنْ وَصْفُ الاختلاف لازماً ( له ) ( 3 ) وَلَا ثَابِتًا ، فَكَانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي الْعِلَاجَ وَالِانْقِطَاعَ أَلْيَقَ فِي الْمَوْضِعِ . / / وَالثَّالِثُ : أَنَا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَاقِعٌ مِمَّنْ حَصَلَ لَهُ مَحْضُ الرَّحْمَةِ / وَهُمُ الصحابة رضي الله عنهم ، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ إِدْخَالُهُمْ فِي قِسْمِ الْمُخْتَلِفِينَ بِوَجْهٍ ،
هامش
( 1 ) سورة هود : الآية ( 118 ) . ( 2 ) سورة هود : الآيتان ( 118 ، 119 ) . ( 3 ) زيادة من ( غ ) و ( ر ) .