تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
فَائِدَةُ بَعْثِ الرُّسُلِ ، فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ : إِنَّ حُسْنَ الصدق النافع والإيمان ، وقبح الكذب ( الضار ) ( 1 ) وَالْكُفْرَانِ ، مَعْلُومٌ ضَرُورَةً ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِمَدْحِ هَذَا وَذَمِّ ذَلِكَ ، وَأَمَرَ بِهَذَا وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ . / فَلَوْ كَانَ الْعَقْلُ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إِلَى التنبيه لزم منه الْمُحَالُ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، لَكِنَّهُ أَتَى بِذَلِكَ فَدَلَّنَا عَلَى أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى أَمْرٍ يَفْتَقِرُ الْعَقْلُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ . هَذَا وَجْهٌ . وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ الْعَقْلَ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ قَاصِرُ الْإِدْرَاكِ فِي عِلْمِهِ ، ( فَمَا ) ( 2 ) ادَّعَى عِلْمَهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ ( تِلْكَ ) ( 3 ) الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهُ أَدْرَكَهَا ، لِإِمْكَانِ أَنْ يُدْرِكَهَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ، وَعَلَى حَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَالْبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ أَحْوَالُ أَهْلِ الْفَتَرَاتِ ، فَإِنَّهُمْ وَضَعُوا أَحْكَامًا عَلَى الْعِبَادِ بِمُقْتَضَى السِّيَاسَاتِ لَا تَجِدُ فِيهَا أَصْلًا مُنْتَظِمًا ( ولا ) ( 4 ) قاعدة مطردة ( مع ) ( 5 ) الشَّرْعِ بَعْدَ مَا جَاءَ ، بَلِ اسْتَحْسَنُوا أُمُورًا تَجِدُ الْعُقُولَ بَعْدَ / تَنْوِيرِهَا بِالشَّرْعِ تُنْكِرُهَا ، وَتَرْمِيهَا بِالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ ( وَالْبُهْتَانِ ) ( 6 ) وَالْحُمْقِ ، مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أَشْيَاءَ قَدْ وَافَقَتْ وَجَاءَ الشَّرْعُ بِإِقْرَارِهَا وَتَصْحِيحِهَا ، وَمَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عُقُولٍ ( وافرة ) ( 7 ) ، وأنظار ( صائبة ) ( 8 ) ، وَتَدْبِيرَاتٍ لِدُنْيَاهُمْ غَامِضَةٍ ، لَكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لم يُصِيبُوا فِيهِ قَلِيلَةٌ ، فَلِأَجْلِ هَذَا كُلِّهِ وَقَعَ الْإِعْذَارُ وَالْإِنْذَارُ ، وَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ / حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ، وَالنِّعْمَةُ السَّابِغَةُ . / فَالْإِنْسَانُ - وَإِنْ زَعَمَ فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ أَدْرَكَهُ وَقَتَلَهُ عِلْمًا - لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ إِلَّا وَقَدْ عَقَلَ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَقَلَ ، وَأَدْرَكَ من علمه ما لم ( يكن
هامش
( 1 ) في سائر النسخ ما عدا ( غ ) و ( ر ) : " أيضاً " . ( 2 ) في ( غ ) و ( ر ) : " بما " . ( 3 ) في ( م ) و ( غ ) و ( ر ) : " ذلك " . ( 4 ) زيادة من ( غ ) و ( ر ) . ( 5 ) في سائر النسخ ما عدا ( غ ) و ( ر ) : " على " . ( 6 ) في ( غ ) و ( ر ) : " وبالبهتان " . ( 7 ) في ( ط ) و ( خ ) : " باهرة " . ( 8 ) في سائر النسخ ما عدا ( غ ) و ( ر ) : " صافية " .
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 286 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي