وَلَمَّا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِهِمْ : { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } [ الكهف : 104 ] ; وَصَفَهُمْ بِالضَّلَالِ مَعَ ظَنِّ الِاهْتِدَاءِ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُمُ الْمُبْتَدِعُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ عُمُومًا ، كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوَّلًا ، مِنْ حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ : « كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ » وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ .
فَقَدْ يَجْتَمِعُ التَّفْسِيرَانِ فِي الْآيَةِ ، تَفْسِيرُ سَعْدٍ بِأَنَّهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، وَتَفْسِيرُ عَلِيٍّ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْبِدْعَةِ ; لِأَنَّهُمْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى الِابْتِدَاعِ ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَ كُفْرَ النَّصَارَى بِأَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا فِي الْجَنَّةِ غَيْرَ مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ بِالرَّأْيِ .
فَاجْتَمَعَتِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ عَلَى ذَمِّ الْبِدْعَةِ وَأَهْلِهَا ، وَأَشْعَرَ كَلَامُ سَعِدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِأَنَّ كُلَّ آيَةٍ اقْتَضَتْ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِ الْمُبْتَدِعَةِ ، فَهُمْ مَقْصُدُونَ بِمَا فِيهَا مِنَ الذَّمِّ وَالْخِزْيِ وَسُوءِ الْجَزَاءِ ، إِمَّا بِعُمُومِ اللَّفْظِ ، وَإِمَّا بِمَعْنَى الْوَصْفِ .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ « أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى بِكِتَابٍ فِي كَتِفٍ فَقَالَ : " كَفَى بِقَوْمٍ حُمْقًا أَوْ قَالَ : ضَلًالًا أَنْ يَرْغَبُوا عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّهِمْ ، أَوْ كِتَابٍ إِلَى غَيْرِ كِتَابِهِمْ " فَنَزَلَتْ : { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } [ العنكبوت : 51 ] » .
وَخَرَّجَ عَبْدُ الْحَمِيدِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 89
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٨٩