الزَّيْغِ الْحَاصِلِ فِيهِمْ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [ الصف : 5 ] ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى آيَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي قَوْلِهِ : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } [ آل عمران : 7 ] . الْآيَةَ ; فَإِنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَدْخَلَ الْحَرُورِيَّةُ فِي الْآيَتَيْنِ بِالْمَعْنَى ، وَهُوَ الزَّيْغُ فِي إِحْدَاهُمَا ، وَالْأَوْصَافُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأُخْرَى ; لِأَنَّهَا فِيهِمْ مَوْجُودَةٌ .
فَآيَةُ الرَّعْدِ تَشْمَلُ [ الْحَرُورِيَّةَ ] بِلَفْظِهَا ; لِأَنَّ اللَّفْظَ فِيهَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ لُغَةً ، وَإِنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى الْكُفَّارِ خُصُوصًا ; فَهِيَ تُعْطِي أَيْضًا فِيهِمْ حُكْمًا مِنْ جِهَةِ تَرْتِيبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ حَسْبَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْأُصُولِ .
وَكَذَلِكَ آيَةُ الصَّفِّ ; لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِقَوْمِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمِنْ هُنَا كَانَ شُعْبَةُ يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ أَعْنِي : الْحَرُورِيَّةَ لِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ وَاقِعٌ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ جَاءَ فِيهَا : { وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [ المائدة : 108 ] ، وَالزَّيْغُ أَيْضًا كَانَ مَوْجُودًا فِيهِمْ ، فَدَخَلُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [ الصف : 5 ] ، وَمِنْ هُنَا يُفْهَمُ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ بِالْحَرُورِيَّةِ ، بَلْ تَعُمُّ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ الَّتِي أَصْلُهَا الزَّيْغُ ، وَهُوَ الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى .
وَإِنَّمَا فَسَّرَهَا سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْحَرُورِيَّةِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا سُئِلَ عَنْهُمْ عَلَى الْخُصُوصِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ ، فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ تَخْصِيصًا .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 87
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٨٧