مَالِكٌ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَصُومُونَهَا وَيَخَافُونَ بِدَعَتَهَا .
وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي اتِّبَاعِ الْآثَارِ ؛ كَمَجِيءِ قُبَاءَ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَبِالْجُمْلَةِ ؛ فَكُلُّ عَمَلٍ أَصْلُهُ ثَابِتٌ شَرْعًا ؛ إِلَّا أَنَّ فِي إِظْهَارِ الْعَمَلِ بِهِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ مَا يُخَافُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ سُنَّةٌ ؛ فَتَرْكُهُ مَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ .
وَلِذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ دُعَاءَ التَّوَجُّهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَكَرِهَ غَسْلَ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ جَعَلَ ثَوْبَهُ فِي الْمَسْجِدِ أَمَامَهُ فِي الصَّفِّ .
وَلْنَرْجِعْ إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ .
فَاعْلَمُوا أَنَّهُ إِنْ ذَهَبَ مُجْتَهِدٌ إِلَى عَدَمِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ مِمَّا يَتَضَمَّنُهُ هَذَا الْبَابُ ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَلَ الْوَاقِعَ عِنْدَهُ مَشْرُوعٌ ، وَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ أَجْرُهُ ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى سَدِّهَا - وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ - ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ مَمْنُوعٌ ، وَمَنْعُهُ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ مَلُومٌ عَلَيْهِ ، وَمُوجِبٌ لِلذَّمِّ ؛ إِلَّا أَنْ يُذْهَبَ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى أَمْرٍ مُجَاوِرٍ ؛ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاشْتِبَاهٍ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ انْفِكَاكُ الْأَمْرَيْنِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَأْمُورًا بِهِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ ، وَمَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ جِهَةِ مَآلِهِ .
وَلَنَا فِيهِ مَسْلَكَانِ :
( أَحَدُهُمَا ) : التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } [ البقرة : 104 ]
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 511
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٥١١