تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
فَقَالَ الْإِمَامُ الْآجُرِّيُّ الْعَالِمُ السُّنِّيُّ أَبُو بَكْرٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : " مَيِّزُوا هَذَا الْكَلَامَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ : صَرَخْنَا مِنْ مَوْعِظَةٍ ، وَلَا زَعَقْنَا ، وَلَا طَرَقْنَا عَلَى رَؤُوسِنَا ، وَلَا ضَرَبْنَا عَلَى صُدُورِنَا ، وَلَا زَفَنَّا ، وَلَا رَقَصْنَا " ؛ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ ؛ يَصْرُخُونَ عِنْدَ الْمَوَاعِظِ وَيَزْعَقُونَ وَيَتَغَاشَوْنَ . قَالَ : " وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ يَلْعَبُ بِهِمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ ، وَيُقَالُ لِمَنْ فَعَلَ هَذَا : اعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْدَقُ النَّاسِ مَوْعِظَةً ، وَأَنْصَحُ النَّاسَ لِأُمَّتِهِ ، وَأَرِقُّ النَّاسِ قَلْبًا ، وَخَيْرَ النَّاسِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ - لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ عَاقِلٌ - ؛ مَا صَرَخُوا عِنْدَ مَوْعِظَتِهِ وَلَا زَعَقُوا وَلَا رَقَصُوا وَلَا زَفَنُوا ، وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا ؛ لَكَانُوا أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا أَنْ يَفْعَلُوهُ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّهُ بِدْعَةٌ وَبَاطِلٌ وَمُنْكَرٌ ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ " . انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَهُوَ وَاضِحٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ . وَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي الْأَمْرِ ( كُلِّهِ ) الْمُوجِبِ لِلتَّأَثُّرِ الظَّاهِرِ فِي السَّلَفِ الْأَوَّلِينَ مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُدَّعِينَ ، فَوَجَدْنَا الْأَوَّلِينَ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْأَثَرُ بِسَبَبِ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَبِسَبَبِ سَمَاعِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَبِسَبَبِ رُؤْيَةٍ اعْتِبَارِيَّةٍ ؛ كَمَا فِي قِصَّةِ الرَّبِيعِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ لِلْحَدَّادِ وَالْأَتُونِ وَهُوَ مَوْقَدُ النَّارِ ، وَلِسَبَبِ قِرَاءَةٍ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنْهُمْ - فِيمَا نَقَلَ الْعُلَمَاءُ - يَسْتَعْمِلُونَ التَّرَنُّمَ بِالْأَشْعَارِ لِتَرِقَّ نُفُوسُهُمْ فَتَتَأَثَّرُ ظَوَاهِرُهُمْ ، وَطَائِفَةُ الْفُقَرَاءِ عَلَى الضِّدِّ مِنْهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَالْوَعْظَ وَالتَّذْكِيرَ ، فَلَا تَتَأَثَّرُ ظَوَاهِرُهُمْ ، فَإِذَا قَامَ الْمُزَمِّرُ ؛ تَسَابَقُوا إِلَى حَرَكَاتِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ لَهُمْ ، فَبِالْحَرِيِّ أَلَّا يَتَأَثَّرُوا عَلَى تِلْكَ الْوُجُوهِ الْمَكْرُوهَةِ الْمُبْتَدَعَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يُنْتِجُ إِلَّا حَقًّا ؛ كَمَا أَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُنْتِجُ إِلَّا بَاطِلًا .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 356 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي