وَالْمُرُوءَةِ .
نَعَمْ ؛ قَدْ ( لَا ) يُنْكِرُ اتِّفَاقُ الْغَشْيِ وَنَحْوِهِ أَوِ الْمَوْتِ لِمَنْ سَمِعَ الْمَوْعِظَةَ بِحَقٍّ ، فَضَعُفَ عَنْ مُصَابَرَةِ الرِّقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِهَا ، فَجَعَلَ ابْنُ سِيرِينَ ذَلِكَ الضَّابِطَ مِيزَانًا لِلْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّ الْقِحَّةَ لَا تَبْقَى مَعَ خَوْفِ السُّقُوطِ ( مِنَ الْحَائِطِ ) ، فَقَدِ اتَّفَقَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ النَّوَادِرِ ، وَظَهَرَ فِيهَا عُذْرُ التَّوَاجُدِ .
فَحُكِيَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ؛ قَالَ : " خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَعَنَا الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ ، فَمَرَرْنَا عَلَى حَدَّادٍ ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَنْظُرُ إِلَى حَدِيدَةٍ فِي النَّارِ ، فَنَظَرَ الرَّبِيعُ إِلَيْهَا ، فَتَمَايَلَ لِيَسْقُطَ ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَضَى كَمَا هُوَ حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ عَلَى أَتُونٍ ، فَلَمَّا رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالنَّارُ تَلْتَهِبُ فِي جَوْفِهِ ، قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : { إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا } [ الفرقان : 12 ] ، إِلَى قَوْلِهِ : { دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا } [ الفرقان : 13 ] ، فَصَعِقَ الرَّبِيعُ ؛ يَعْنِي : غُشِيَ عَلَيْهِ ، فَاحْتَمَلْنَاهُ ، فَأَتَيْنَا بِهِ أَهْلَهُ .
قَالَ : " وَرَابَطَهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الظُّهْرِ فَلَمْ يَفِقْ ، فَرَابَطَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ فَأَفَاقَ ، وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِهِ " .
فَهَذِهِ حَالَاتٌ طَرَأَتْ لِوَاحِدٍ مَنْ أَفَاضِلِ التَّابِعِينَ بِمَحْضَرِ صَحَابِيٍّ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ طَاقَتِهِ ، فَصَارَ بِتِلْكَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، فَلَا حَرَجَ إِذًا .
وَحُكِيَ أَنْ شَابًّا كَانَ يَصْحَبُ الْجُنَيْدَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) إِمَامَ الصُّوفِيَّةِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 354
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٥٤