وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقَوْمِ يُقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ فَيَصْعَقُونَ ؟ فَقَالَ : " ذَلِكَ فِعْلُ الْخَوَارِجِ " ! .
وَخَرَّجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( أَنَّ ) ابْنَ الزُّبَيْرِ ( رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ) قَالَ : " جِئْتُ أَبِي ، فَقَالَ : أَيْنَ كُنْتَ ؟ ، فَقُلْتُ : وَجَدْتُ أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ ، فَيَرْعَدُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، فَقَعَدْتُ مَعَهُمْ ، فَقَالَ : لَا تَقْعُدْ بَعْدَهَا . فَرَآنِي كَأَنِّي لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ فِيَّ ، فَقَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُو الْقُرْآنَ ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَتْلُوَانِ الْقُرْآنَ ، فَلَا يُصِيبُهُمْ هَذَا ، أَفَتَرَاهُمْ أَخْشَعَ لِلَّهِ مَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؟ ! فَرَأَيْتُ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَتَرَكْتُهُمْ " .
وَهَذَا يَشْعُرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَعَمُّلٌ وَتَكَلُّفٌ لَا يَرْضَى بِهِ أَهْلُ الدِّينِ .
وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنِ الرَّجُلِ يُقَرَأُ عِنْدَهُ فَيَصْعَقُ ؟ ، فَقَالَ : " مِيعَادُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى حَائِطٍ ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ، فَإِنْ وَقَعَ ؛ فَهُوَ كَمَا قَالَ " .
وَهَذَا الْكَلَامُ حَسَنٌ فِي الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ عِنْدَ الْخَوَارِجِ نَوْعًا مِنَ الْقِحَّةِ فِي النُّفُوسِ الْمَائِلَةِ عَنِ الصَّوَابِ ، وَقَدْ تُغَالِطُ النَّفْسُ فِيهِ فَتَظُنُّهُ انْفِعَالًا صَحِيحًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا هُوَ وَلَا مَا يُشْبِهُهُ ، فَإِنَّ مَبْنَاهُمْ كَانَ عَلَى الْحَقِّ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَعْمِلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ هَذِهِ اللُّعَبَ الْقَبِيحَةَ الْمُسْقِطَةَ لِلْأَدَبِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 353
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٥٣