تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ ؛ حَضَرُوا عِنْدَ مَلِكِهِمْ دِقْيَانُوسَ الْكَافِرِ ، فَتَحَرَّكَتْ فَأْرَةٌ أَوْ هِرَّةٌ خَافَ لِأَجْلِهَا الْمَلِكُ ، فَنَظَرَ الْفِتْيَةُ إِلَى بَعْضٍ ، وَلَمْ يَتَمَالَكُوا أَنْ قَامُوا مُصَرِّحِينَ بِالتَّوْحِيدِ ، مُعْلِنِينَ بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ ، مُنْكِرِينَ عَلَى الْمَلِكِ نِحْلَةَ الْكُفْرِ ، بَاذِلِينَ أَنْفُسَهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، فَأَوْعَدَهُمْ ثُمَّ أَخْلَفَهُمْ ، فَتَوَاعَدُوا الْخُرُوجَ إِلَى الْغَارِ . . . إِلَى أَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ . فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ صَعْقٌ وَلَا صِيَاحٌ وَلَا شَطْحٌ وَلَا تَغَاشٌ مُسْتَعْمَلٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ شَأْنُ فُقَرَائِنَا الْيَوْمَ . وَخَرَّجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي " تَفْسِيرِهِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ؛ قَالَ : " قُلْتُ لِجَدَّتِي أَسْمَاءَ : كَيْفَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَؤُوا الْقُرْآنَ ؟ قَالَتْ : كَانُوا كَمَا نَعَتَهُمُ اللَّهُ : تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ ، وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ . قُلْتُ : إِنَّ نَاسًا هَاهُنَا إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهُمْ عَلَيْهِ غَشْيَةٌ . فَقَالَتْ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " . وَخَرَّجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي حَازِمٍ ؛ قَالَ : " مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَاقِطٌ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَوْ سَمِعَ اللَّهَ يُذْكَرُ ؛ خَرَّ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَاللَّهِ إِنَّا لَنَخْشَى اللَّهَ وَلَا نَسْقُطُ ! وَهَذَا إِنْكَارٌ . وَقِيلَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِنَّ قَوْمًا إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ يُغْشَى عَلَيْهِمْ ، فَقَالَتْ : " إِنَّ الْقُرْآنَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ تَنْزِفَ عَنْهُ عُقُولُ الرِّجَالِ ، وَلَكِنَّهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [ الزمر : 23 ] .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 352 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي