تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
مَكَانِي فِي ذَلِكَ الثَّغْرِ أَنْفَعُ ، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ، وَلِي حَاجَةٌ . قَالَ : سَلْ مَا بَدَا لَكَ . قَالَ : يَأْذَنُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي رُجُوعِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْهُ هَذَا الظَّالِمُ . قَالَ : قَدْ أَذِنْتُ لَكَ . وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا . فَرَجَعْتُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ ، وَأَحْسَبُ أَيْضًا أَنِ الْوَاثِقَ رَجَعَ عَنْهَا . فَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْحِكَايَةَ ، فَفِيهَا عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ، وَانْظُرُوا كَيْفَ مَأْخَذُ الْخُصُومِ فِي إِفْحَامِهِمْ لِخُصُومِهِمْ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَدَارُ الْغَلَطِ فِي هَذَا الْفَصْلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ ، وَعَدَمِ ضَمِّ أَطْرَافِهِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ؛ فَإِنَّ مَأْخَذَ الْأَدِلَّةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ الشَّرِيعَةُ كَالصُّورَةِ الْوَاحِدَةِ بِحَسْبِ مَا ثَبَتَ مِنْ كُلِّيَّاتِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا ، وَعَامِّهَا الْمُرَتَّبِ عَلَى خَاصِّهَا ، وَمُطْلَقِهَا الْمَحْمُولِ عَلَى مُقَيَّدِهَا ، وَمُجْمَلِهَا الْمُفَسَّرِ بِبَيِّنِهَا . . . . إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَنَاحِيهَا ، فَإِذَا حَصَلَ لِلنَّاظِرِ مِنْ جُمْلَتِهَا حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ ؛ فَذَلِكَ الَّذِي نَظُمَتْ بِهِ حِينَ اسْتُنْبِطَتْ . وَمَا مِثْلُهَا إِلَّا مَثَلُ الْإِنْسَانِ الصَّحِيحِ السَّوِيِّ ، فَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ إِنْسَانًا ( حَتَّى ) يُسْتَنْطَقَ فَلَا يَنْطِقُ ؛ لَا بِالْيَدِ وَحْدَهَا ، وَلَا بِالرِّجْلِ وَحْدَهَا ، وَلَا بِالرَّأْسِ وَحْدَهُ ، وَلَا بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ ، بَلْ بِجُمْلَتِهِ الَّتِي سُمِّيَ بِهَا إِنْسَانًا . كَذَلِكَ الشَّرِيعَةُ لَا يُطْلَبُ مِنْهَا الْحُكْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الِاسْتِنْبَاطِ إِلَّا بِجُمْلَتِهَا ، لَا مِنْ دَلِيلٍ مِنْهَا أَيِّ دَلِيلٍ كَانَ ، وَإِنْ ظَهَرَ لِبَادِي الرَّأْيِ نُطْقُ ذَلِكَ