تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
حَسَنَ الشَّيْبَةِ ، فَسَلَّمَ غَيْرَ هَائِبٍ ، وَدَعَا فَأَوْجَزَ ، فَرَأَيْتُ الْحَيَاءَ مِنْهُ فِي حَمَالِيقِ عَيْنَيِ الْوَاثِقِ وَالرَّحْمَةَ عَلَيْهِ . فَقَالَ : يَا شَيْخُ ! أَجِبْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُؤَادٍ عَمَّا يَسْأَلُكَ عَنْهُ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! أَحْمَدُ يَصْغُرُ وَيَضْعُفُ وَيَقِلُّ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ . فَرَأَيْتُ الْوَاثِقَ وَقَدْ صَارَ مَكَانَ الرَّحْمَةِ غَضَبًا ، فَقَالَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَصْغُرُ وَيَضْعُفُ وَيَقِلُّ عِنْدَ مُنَاظَرَتِكَ ؟ ! فَقَالَ : هَوِّنْ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! أَتَأْذَنُ لِي فِي كَلَامِهِ ؟ فَقَالَ لَهُ الْوَاثِقُ : قَدْ أَذِنْتُ ذَلِكَ . فَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَى أَحْمَدَ ، فَقَالَ : يَا أَحْمَدُ ! إِلَامَ دَعَوْتَ النَّاسَ ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ : إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ : مَقَالَتُكَ هَذِهِ الَّتِي دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهَا مِنَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ؛ أَدَاخِلَةٌ فِي الدِّينِ فَلَا يَكُونُ الدِّينُ تَامًّا إِلَّا بِالْقَوْلِ بِهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ الشَّيْخُ : فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا أَمْ تَرَكَهُمْ ؟ ، قَالَ : لَا . قَالَ لَهُ : يَعْلَمُهَا أَمْ لَمْ يَعْلَمْهَا ؟ قَالَ : عَلِمَهَا ، قَالَ : فَلِمَ دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَى مَا لَمْ يَدْعُهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ وَتَرَكَهُمْ مِنْهُ ؟ فَأَمْسَكَ ، فَقَالَ الشَّيْخُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! هَذِهِ وَاحِدَةٌ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَخْبِرْنِي يَا أَحْمَدُ ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ] ، فَقُلْتَ أَنْتَ : الدِّينُ لَا يَكُونُ تَامًّا إِلَّا بِمَقَالَتِكَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، فَاللَّهُ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ أَصْدَقُ فِي تَمَامِهِ وَكَمَالِهِ أَمْ أَنْتَ فِي نُقْصَانِكَ ؟ ! فَأَمْسَكَ ، فَقَالَ الشَّيْخُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! وَهَذِهِ ثَانِيَةٌ ! . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَاعَةٍ : أَخْبِرْنِي يَا أَحْمَدُ ! ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :