فَمِثَالُ الْأَوَّلِ : أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ وَرَدَ طَلَبُهَا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ ، وَلَا يَرْفَعُهَا عُذْرٌ إِلَّا الْعُذْرُ الرَّافِعُ لِلْخِطَابِ رَأْسًا ، وَهُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ ، فَلَوْ بَلَغَ الْمُكَلَّفُ فِي مَرَاتِبِ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ إِلَى أَيِّ رُتْبَةٍ بَلَغَ ؛ بَقِيَ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ .
وَلَا رُتْبَةَ لِأَحَدٍ يَبْلُغُهَا فِي الدِّينِ كَرُتْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ رُتْبَةِ أَصْحَابِهِ الْبَرَرَةِ ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ مِنَ التَّكْلِيفِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ؛ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآحَادِ ؛ كَالزَّمِنِ ؛ لَا يُطَالَبُ بِالْجِهَادِ ، وَالْمُقْعَدِ ؛ لَا يُطَالَبُ بِالصَّلَاةِ بِالْقِيَامِ ، وَالْحَائِضِ ؛ لَا تُطَالَبُ بِالصَّلَاةِ الْمُخَاطَبِ بِهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا . . . . وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
فَمَنْ رَأَى أَنَّ التَّكْلِيفَ قَدْ يَرْفَعُهُ الْبُلُوغُ إِلَى مَرْتَبَةٍ مَا مِنْ مَرَاتِبِ الدِّينِ - كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِبَاحَةِ - ؛ كَانَ قَوْلُهُ بِدَعَةً مُخْرِجَةً عَنِ الدِّينِ .
وَمِنْهُ دَعَاوَى أَهْلِ الْبِدَعِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ؛ مُنَاقَضَتُهَا لِلْقُرْآنِ ، أَوْ مُنَاقِضَةُ بَعْضِهَا بَعْضًا ، وَفَسَادُ مَعَانِيهَا ، أَوْ مُخَالَفَتُهَا لِلْعُقُولِ ؛ كَمَا حَكَمُوا بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَحَاكِمَيْنِ إِلَيْهِ : « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ : مِئَةُ الشَّاةِ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذِهِ الرَّجْمُ ، وَاغَدُ يَا أَنِيسُ عَلَى امْرَأَةٍ هَذَا ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ ؛ فَارْجُمْهَا ، فَغَدَا عَلَيْهَا ، فَاعْتَرَفَتْ ، فَرَجَمَهَا » .
قَالُوا : هَذَا مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِالرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ ، وَلَيْسَ لِلرَّجْمِ وَلَا لِلتَّغْرِيبِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ذَكَرَ ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بَاطِلًا ؛ فَهُوَ مَا
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 313
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣١٣