تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
وَالرَّابِعُ : يَرْجِعُ إِلَى النَّظَرِ فِي حَقِيقَةِ الْفَنَاءِ مِنْ حَيْثُ الدُّخُولُ فِيهِ ، وَالِاتِّصَافُ بِأَوْصَافِهِ ، وَقَطْعُ أَطْمَاعِ النَّفْسِ عَنْ كُلِّ جِهَةٍ تُوَصِّلُ إِلَى غَيْرِ الْمَطْلُوبِ وَإِنْ دَقَّتْ ؛ فَإِنَّ أَهْوَاءَ النُّفُوسِ تَدُقُّ وَتَسْرِي مَعَ السَّالِكِ فِي الْمَقَامَاتِ ، فَلَا يَقْطَعُهَا إِلَّا مَنْ حَسَمَ مَادَّتَهَا وَبَتَّ طَلَاقَهَا ، وَهُوَ بَابُ الْفَنَاءِ الْمَذْكُورِ . وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِقْهِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَهْوَاءِ النُّفُوسِ ، وَلَا يُعَدُّ مِنَ الْبِدَعِ ؛ لِدُخُولِهِ تَحْتَ جِنْسِ الْفِقْهِ ؛ لِأَنَّهُ - وَإِنْ دَقَّ - رَاجِعٌ إِلَى مَا جَلَّ مِنَ الْفِقْهِ ، وَدِقَّتُهُ وَجِلَّتُهُ إِضَافِيَّانِ ، وَالْحَقِيقَةُ وَاحِدَةٌ . وَثَمَّ أَقْسَامٌ أُخَرُ ؛ جَمِيعُهَا إِمَّا يَرْجِعُ إِلَى فِقْهِ شَرْعِيٍّ حَسَنٍ فِي الشَّرْعِ ، وَإِمَّا إِلَى ابْتِدَاعٍ لَيْسَ بِشَرْعِيٍّ وَهُوَ قَبِيحٌ فِي الشَّرْعِ . وَأَمَّا الْجَدَلُ وَجَمْعُ الْمَحَافِلِ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَسَائِلِ ؛ فَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ . وَأَمَّا أَمْثِلَةُ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ ؛ فَعُدَّ مِنْهَا : زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ ، وَتَزْوِيقُ الْمَصَاحِفِ ، وَتَلْحِينُ الْقُرْآنِ بِحَيْثُ تَتَغَيَّرُ أَلْفَاظُهُ عَنِ الْوَضْعِ الْعَرَبِيِّ ، فَإِنْ أَرَادَ مُجَرَّدَ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِ أَمْرٍ آخَرَ ؛ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ ، وَإِنْ أَرَادَ مَعَ اقْتِرَانِ قَصْدِ التَّشْرِيعِ ؛ فَصَحِيحٌ مَا قَالَ ، إِذِ الْبِدْعَةُ لَا تَكُونُ بِدْعَةً إِلَّا مَعَ اقْتِرَانِ هَذَا الْقَصْدِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ ؛ فَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا غَيْرُ بِدَعٍ . وَأَمَّا أَمْثِلَةُ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ ؛ فَعُدَّ مِنْهَا الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ ، أَمَّا أَنَّهَا بِدَعٌ ؛ فَمُسَلَّمٌ ، وَأَمَّا أَنَّهَا مُبَاحَةٌ ؛ فَمَمْنُوعٌ ، إِذْ لَا دَلِيلَ فِي الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ بِهَا ، بَلْ هِيَ مَكْرُوهَةٌ ، إِذْ يُخَافُ