تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وَالْآخَرُ : أَنَّهُ الْفَنَاءُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَالْبَقَاءُ لِرَبِّهِ . وَهُمَا فِي التَّحْقِيقِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ؛ إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَصْلُحُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ الْبِدَايَةِ وَالْآخِرَ يَصْلُحُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ النِّهَايَةِ ، وَكِلَاهُمَا اتِّصَافٌ ؛ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُلْزِمُهُ الْحَالُ وَالثَّانِي يُلْزِمُهُ الْحَالُ ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ فِيهِمَا بِلَفْظٍ آخَرَ ؛ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ عَمَلًا تَكْلِيفِيًّا وَالثَّانِي نَتِيجَتَهُ ، وَيَكُونُ الْأَوَّلُ اتِّصَافَ الظَّاهِرِ وَالثَّانِي اتِّصَافَ الْبَاطِنِ ، وَمَجْمُوعُهُمَا هُوَ التَّصَوُّفُ . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ؛ فَالتَّصَوُّفُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا بِدْعَةَ فِي الْكَلَامِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى تَفَقُّهٍ يَنْبَنِي عَلَيْهِ : الْعَمَلُ ، وَتَفْصِيلُ آفَاتِهِ وَعَوَارِضِهِ ، وَأَوْجُهِ تَلَافِي الْفَسَادِ الْوَاقِعِ فِيهِ بِالْإِصْلَاحِ ، وَهُوَ فِقْهٌ صَحِيحٌ ، وَأُصُولُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ظَاهِرَةٌ ، فَلَا يُقَالُ فِي مَثَلِهِ : بِدْعَةٌ ؛ إِلَّا إِذَا أَطْلَقَ عَلَى فُرُوعِ الْفِقْهِ الَّتِي لَمْ يُلْفَ مِثْلُهَا فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ : أَنَّهَا بِدْعَةٌ ؛ كَفُرُوعِ أَبْوَابِ السَّلَمِ ، وَالْإِجَارَاتِ ، وَالْجِرَاحِ ، وَمَسَائِلِ السَّهْوِ ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَاتِ ، وَبُيُوعِ الْآجَالِ . . . . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعُلَمَاءِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْبِدْعَةِ عَلَى الْفُرُوعِ الْمُسْتَنْبَطَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِيمَا سَلَفَ ، وَإِنْ دَقَّتْ مَسَائِلُهَا ، فَكَذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَى دَقَائِقَ فُرُوعِ الْأَخْلَاقِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ : أَنَّهَا بِدْعَةٌ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَرْجِعُ إِلَى أُصُولٍ شَرْعِيَّةٍ . وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي ؛ فَهُوَ عَلَى أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : يَرْجِعُ إِلَى الْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ عَلَى السَّالِكِينَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ نُورُ التَّوْحِيدِ الْوِجْدَانِيُّ ، فَيُتَكَلَّمُ فِيهَا بِحَسَبَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ ، وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي النَّازِلَةِ الْخَاصَّةِ ؛ رُجُوعًا إِلَى الشَّيْخِ الْمُرَبِّي ، وَمَا بَيَّنَ لَهُ فِي تَحْقِيقِ