وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ فِي أَصْلِ التَّشْرِيعِ بِأَمْرٍ تَعَبُّدِيٍّ ؛ فَلَا يُقَالُ : إِنَّهُ غَيْرُ بِدْعَةٍ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ ؛ إِلَّا عَلَى أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَخْرُجَ أَصْلًا شَرْعِيًّا مِثْلَ الْإِحْسَانِ الْمُتْبَعِ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى وَالصَّدَقَةِ مِنَ الْمِدْيَانِ الْمَضْرُوبِ عَلَى يَدِهِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، ( وَ ) يَكُونُ إِذْ ذَاكَ مَعْصِيَةً .
وَالثَّانِي : أَنْ يَلْتَزِمَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُتَعَدَّى ؛ بِحَيْثُ يَفْهَمُ مِنْهُ الْجَاهِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِالْتِزَامُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِدْعَةً مَذْمُومَةً وَضَلَالَةً ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَا تَكُونُ إِذًا مُسْتَحَبَّةً .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يَجْرِيَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى الْمَعْقُولَ الْمَعْنَى وَغَيْرَهُ بِدْعَةً مَذْمُومَةً ؛ كَمَنْ كَرِهَ تَنْخِيلَ الدَّقِيقِ فِي الْعَقِيقَةِ ، فَلَا تَكُونُ عِنْدَهُ الْبِدْعَةُ مُبَاحَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً .
- وَصَلَاةُ التَّرَاوِيحِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا .
- وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي دَقَائِقَ التَّصَوُّفِ ؛ فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ بِإِطْلَاقٍ ، وَلَا هُوَ مِمَّا صَحَّ بِالدَّلِيلِ بِإِطْلَاقٍ ، بَلِ الْأَمْرُ يَنْقَسِمُ .
وَلَفْظُ التَّصَوُّفِ لَا بُدَّ مِنْ شَرْحِهِ أَوَّلًا حَتَّى يَقَعَ الْحُكْمُ عَلَى أَمْرٍ مَفْهُومٍ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُجْمَلٌ عِنْدِ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، فَلْنَرْجِعْ إِلَى مَا قَالَ فِيهِ الْمُتَقَدِّمُونَ .
وَحَاصِلُ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ لَفْظُ التَّصَوُّفِ عِنْدَهُمْ مَعْنَيَانِ :
أَحَدُهُمَا : التَّخَلُّقُ بِكُلِّ خُلُقٍ سَنِيٍّ ، وَالتَّجَرُّدُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ دَنِيٍّ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 265
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٦٥