إِلَّا عَلَى فَرْضِ أَنْ يَكُونَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْرَأَ الْعِلْمُ إِلَّا بِالْمَسَاجِدِ ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ ، بَلِ الْعِلْمُ كَانَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يُبَثُّ بِكُلِّ مَكَانٍ ؛ مِنْ مَسْجِدٍ ، أَوْ مَنْزِلٍ ، أَوْ سَفَرٍ ، أَوْ حَضَرٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، حَتَّى فِي الْأَسْوَاقِ ، فَإِذَا أَعَدَّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مَدْرَسَةً يُعِينُ بِإِعْدَادِهَا الطَّلَبَةَ ؛ فَلَا يَزِيدُ ذَلِكَ عَلَى إِعْدَادِهَا لَهَا مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِهِ ، أَوْ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَأَيْنَ مَدْخَلُ الْبِدْعَةِ هُاهُنَا ؟ !
وَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْبِدْعَةَ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَالتَّخْصِيصُ هَاهُنَا لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ تَعْبُدِيٍّ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْيِينٌ بِالْحَبْسِ ؛ كَمَا تَتَعَيَّنُ سَائِرُ الْأَمْوَالِ الْمُحْبَسَةِ ، وَتَخْصِيصُهَا لَيْسَ بِبِدْعَةٍ ، فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ .
بِخِلَافِ الرُّبْطِ ؛ فَإِنَّهَا خُصَّتْ تَشْبِيهًا بِالصُّفَّةِ بِهِمَا لِلتَّعَبُّدِ ، فَصَارَتْ تَعَبُّدِيَّةً بِالْقَصْدِ وَالْعُرْفِ ، حَتَّى إِنَّ سَاكِنِيهَا مُبَايِنُونَ لِغَيْرِهِمْ فِي النِّحْلَةِ وَالْمَذْهَبِ وَالزِّيِّ وَالِاعْتِقَادِ .
- وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ بِنَاءِ الْقَنَاطِرِ ؛ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى إِصْلَاحِ الطُّرُقِ ، وَإِزَالَةِ الْمَشَقَّةِ عَنْ سَالِكِيهَا ، وَلَهُ أَصْلٌ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ، وَهُوَ إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعَدَّ فِي الْبِدَعِ بِحَالٍ .
- وَقَوْلُهُ : " وَكُلُّ إِحْسَانٍ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ " فِيهِ تَفْصِيلٌ ، فَلَا يَخْلُو الْإِحْسَانُ الْمَفْرُوضُ أَنْ يُفْهَمَ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ تَعَبُّدِيٍّ أَوَّلًا .
فَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِالتَّعَبُّدِ الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 264
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٦٤