تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي التَّصَوُّفِ تَعَلَّقُوا بِالصُّفَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهَا فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ ، وَهُمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ : { وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الأنعام : 52 ] الْآيَةَ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } [ الكهف : 28 ] الْآيَةَ ، فَوَصَفَهُمْ ( اللَّهُ ) بِالتَّعَبُّدِ وَالِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ بِدُعَائِهِ قَصْدًا لِلَّهِ خَالِصًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمُ انْقَطَعُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ ، لَا يَشْغَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ شَاغِلٌ ، فَنَحْنُ إِنَّمَا صَنَعْنَا صُفَّةً مِثْلَهَا أَوْ تُقَارِبُهَا ، يَجْتَمِعُ فِيهَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْقَطِعَ إِلَى اللَّهِ وَيَلْتَزِمَ الْعِبَادَةَ ، وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الدُّنْيَا وَالشُّغْلِ بِهَا ، وَذَلِكَ كَانَ شَأْنُ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَنْقَطِعُوا عَنِ النَّاسِ ، وَيَشْتَغِلُوا بِإِصْلَاحِ بَوَاطِنِهِمْ ، وَيُوَلُّوا وُجُوهَهُمْ شَطْرَ الْحَقِّ ، فَهُمْ عَلَى سِيرَةِ مَنْ تَقَدَّمَ . وَإِنَّمَا يُسَمَّى ذَلِكَ بِدْعَةً بِاعْتِبَارٍ مَا ، بَلْ هِيَ سُنَّةٌ ، وَأَهْلُهَا مُتَّبِعُونَ لِلسُّنَّةِ ، فَهِيَ طَرِيقَةٌ خَاصَّةٌ لِأُنَاسٍ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قِيلَ لِبَعْضِهِمْ : فِي كَمْ تَجِبُ الزَّكَاةُ ؟ قَالَ : عَلَى مَذْهَبِنَا أَمْ عَلَى مَذْهَبِكُمْ ؟ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا ؛ فَالْكُلُّ لِلَّهِ ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِكُمْ ؛ فَكَذَا وَكَذَا ، أَوْ كَمَا قَالَ . وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ هَكَذَا ؛ غَيْرَ مُحَقَّقَةٍ ، وَلَا مُنَزَّلَةٍ عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ ، وَلَا عَلَى أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . وَلَا بُدَّ مِنْ بَسْطِ طَرْفٍ مِنَ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - بِحَوْلِ اللَّهِ - حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ فِيهَا لِمَنْ أَنْصَفَ وَلَمْ يُغَالِطْ نَفْسَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .