وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ؛ كَانَتِ الْهِجْرَةُ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنِ احْتَالَ عَلَى نَفْسِهِ ، فَهَاجَرَ بِمَالِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ ، فَاسْتَعَانَ بِهِ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي حِرْفَتِهِ الَّتِي كَانَ يَحْتَرِفُ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا - كَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ فَإِنَّهُ هَاجَرَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَكَانَ خَمْسَةَ آلَافٍ - ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ بِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِخْلَاصِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ صِفْرَ الْيَدَيْنِ .
وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْعَمَلَ فِي حَوَائِطِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ كَبِيرُ فَضْلٍ فِي الْعَمَلِ .
وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ أَشْرَكَهُمُ الْأَنْصَارُ فِي أَمْوَالِهِمْ ، وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ ؛ بِدَلِيلِ قِصَّةِ بَنِي النَّضِيرِ ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ قَالَ :
« لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِيَ النَّضِيرِ ؛ قَالَ لِلْأَنْصَارِ : " إِنْ شِئْتُمْ قَسَّمْتُهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَتَرَكْتُمْ نَصِيبَكُمْ فِيهَا وَخَلَّى الْمُهَاجِرُونَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ دُورِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ عِيَالٌ عَلَيْكُمْ " ، فَقَالُوا : نَعَمْ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ غَيْرَ أَنَّهُ أَعْطَى أَبَا دُجَانَةَ » وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ فَقُرَاءُ .
وَقَدْ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ أَيْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ ، وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ ؛ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ - يَعْنِي : الْأَنْصَارَ - ؛ لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَأِ ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَا ؛ مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ » .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 259
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٥٩