وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ } [ البقرة : 267 ] إِلَى قَوْلِهِ : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } [ البقرة : 273 ] الْآيَةَ .
فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَوْصَافٍ ؛ مِنْهَا : أَنَّهُمْ أَحُصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ أَيْ : مُنِعُوا وَحُبِسُوا حِينَ قَصَدُوا الْجِهَادَ مَعَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَأَنَّ الْعُذْرَ أَحْصَرَهُمْ ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ؛ لِاتِّخَاذِ الْمَسْكَنِ وَلَا لِلْمَعَاشِ ؛ لِأَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ كَانَ أَحَاطَ بِالْمَدِينَةِ ، فَلَا هُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ حَتَّى يَكْسِبُوا مِنْ غَنَائِمِهِ ، وَلَا هُمْ يَتَفَرَّغُونَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا لِخَوْفِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلِضَعْفِهِمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، فَلَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا لِلْكَسْبِ أَصْلًا .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : { لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ } [ البقرة : 273 ] أَنَّهُمْ قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَارُوا زَمْنَى .
وَفِيهِمْ أَيْضًا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ } [ الحشر : 8 ] .
أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ : أُخْرِجُوا ، وَلَمْ يَقُلْ : خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ؟ ! فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجُوا اخْتِيَارًا ، فَبَانَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا خَرَجُوا اضْطِرَارًا ، وَلَوْ وَجَدُوا سَبِيلًا ( أَنْ ) لَا يَخْرُجُوا ؛ لَفَعَلُوا ؟ فَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَالِ اخْتِيَارًا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 261
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٦١