وَاسْتَقَامُوا إِلَى غَيْرِ مُسْتَقَامٍ ، فَعَمَّ الدَّاءُ ، وَعُدِمَ الْأَطِبَّاءُ ، حَسْبَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ .
فَرَأَيْنَا أَنْ لَا نُفْرِدَ هَذَا الْمَعْنَى بِبَابٍ يَخُصُّهُ ، وَأَنْ لَا نَبْسُطَ الْقَوْلَ فِيهِ ، وَأَنْ نَقْتَصِرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى لَمْحَةٍ تَكُونُ خَاتِمَةً لِهَذَا الْبَابِ ، فِي الْإِشَارَةِ إِلَى أَنْوَاعِ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُقَامُ عَلَيْهِمْ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي التَّفْصِيلِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَنَقُولُ : إِنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ : بِالتَّثْرِيبِ ، أَوِ التَّنْكِيلِ ، أَوِ الطَّرْدِ ، أَوِ الْإِبْعَادِ ، أَوِ الْإِنْكَارِ ; هُوَ بِحَسَبِ حَالِ الْبِدْعَةِ فِي نَفْسِهَا ; مِنْ كَوْنِهَا : عَظِيمَةَ الْمَفْسَدَةِ فِي الدِّينِ ، أَوْ لَا ، وَكَوْنِ صَاحِبِهَا مُشْتَهِرًا بِهَا أَوْ لَا ، وَدَاعِيًا إِلَيْهَا أَوْ لَا ، وَمُسْتَظْهِرًا بِالْأَتْبَاعِ أَوْ لَا ، وَخَارِجًا عَنِ النَّاسِ أَوْ لَا ، وَكَوْنِهِ عَامِلًا بِهَا عَلَى جِهَةِ الْجَهْلِ أَوْ لَا .
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَهُ حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ يَخُصُّهُ ، إِذْ لَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ فِي الْبِدْعَةِ حَدٌّ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ ، كَمَا جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَاصِي ; كَالسَّرِقَةِ ، وَالْحِرَابَةِ ، وَالْقَتْلِ ، وَالْقَذْفِ ، وَالْجِرَاحِ ، وَالْخَمْرِ . . . . وَغَيْرِ ذَلِكَ .
لَا جَرَمَ أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْأُمَّةِ نَظَرُوا فِيهَا بِحَسَبِ النَّوَازِلِ ، وَحَكَمُوا بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ ; تَفْرِيعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي بَعْضِهَا مِنَ النَّصِّ ; كَمَا جَاءَ فِي الْخَوَارِجِ مِنَ الْأَثَرِ بِقَتْلِهِمْ ، وَمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صَبِيغٍ الْعِرَاقِيِّ .
فَخَرَجَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ أَنْوَاعٌ :
أَحَدُهَا : الْإِرْشَادُ ، وَالتَّعْلِيمُ ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ ; كَمَسْأَلَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 225
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٢٥